النويري
38
نهاية الأرب في فنون الأدب
يا أمير المؤمنين فيما ملَّكك اللَّه كعبد ائتمنه سيّده واستحفظه ماله وعياله ، فبدّد المال وشرّد العيال فأفقر أهله وأهلك ماله . واعلم يا أمير المؤمنين أن اللَّه أنزل الحدود ليزجربها عن الخبائث والفواحش ، فكيف [ إذا أتاها من يليها ! وأن اللَّه أنزل القصاص حياة لعباده ، فكيف [ 1 ] ] إذا قتلهم من يقتصّ لهم ! واذكر يا أمير المؤمنين الموت وما بعده ، وقلَّة أشياعك [ 2 ] عنده وأنصارك عليه ؛ فتزوّد له وما بعده من الفزع الأكبر . واعلم يا أمير المؤمنين أن لك منزلا غير منزلك الذي أنت به ، يطول [ فيه [ 1 ] ] ثواؤك ، ويفارقك أحبّاؤك ، ويسلمونك في قعره فريدا وحيدا ؛ فتزوّد له ما يصحبك يوم يفرّ المرء من أخيه وأمّه وأبيه وصاحبته وبنيه . واذكر يا أمير المؤمنين إذا بعثر ما في القبور ، وحصّل ما في الصّدور ؛ فالأسرار ظاهرة ، والكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلَّا أحصاها ؛ فالآن يا أمير المؤمنين وأنت في مهل ، قبل حلول الأجل ، وانقطاع الأمل ؛ لا تحكم يا أمير المؤمنين في عباد اللَّه بحكم الجاهلين ، ولا تسلك بهم سبيل الظالمين ، ولا تسلَّط المستكبرين على المستضعفين ، فإنهم لا يرقبون في مؤمن إلَّا ولا ذمّة ، فتبوء بأوزارك وأوزار مع أوزارك ، وتحمل أثقالك وأثقالا مع أثقالك . ولا يغرّنك الذين ينعمون بما فيه بؤسك ، ويأكلون الطيّبات من دنياهم بإذهاب طيباتك في آخرتك . ولا تنظرنّ إلى قدرك [ 3 ] اليوم ، ولكن انظر إلى قدرك [ 3 ] غدا وأنت مأسور في حبائل الموت ، وموقوف بين يدي اللَّه تعالى في مجمع الملائكة والمرسلين ، وقد عنت الوجوه للحىّ القيّوم . إني يا أمير المؤمنين إن لم أبلغ في عظتى ما بلغه أولو النّهى قبلي ، فلم آلك شفقة ونصحا ؛ فأنزل كتابي هذا إليك كمداوى حبيبه يسقيه
--> [ 1 ] زيادة عن العقد الفريد ، جزء أوّل ص 14 [ 2 ] كذا في العقد الفريد ، وفى الأصل « امتناعك » [ 3 ] كذا في الأصل . وفى العقد الفريد : قدرتك .