النويري

34

نهاية الأرب في فنون الأدب

مسؤولة عنهم والعبد راع على مال سيّده وهو مسؤول عنه فكلَّكم راع وكلكم مسؤول عن رعيّته » قال بعض الشعراء : فكلَّكم راع ونحن رعيّة وكلّ سيلقى ربّه فيحاسبه وقالت الحكماء : إمام عادل خير من مطر وابل ، وإمام غشوم خير من فتنة تدوم . يقال : إنّ جمشيد [ 1 ] أحد ملوك الفرس الأول ، لما ملك الأقاليم عمل أربعة خواتيم : خاتما للحرب والشّرطة وكتب عليه الأناة ، وخاتما للخراج وكتب عليه العمارة ، وخاتما للبريد وكتب عليه الوحا [ 2 ] ، وخاتما للمظالم وكتب عليه العدل ، فبقيت هذه الرسوم في ملوك الفرس إلى أن جاء الإسلام . وقال عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما : إذا كان الإمام عادلا فله الأجر وعليك الشكر ، وإذا كان جائرا فله الوزر وعليك الصبر . وقال أردشير لابنه : يا بنىّ إن الملك والعدل أخوان لا غنى لأحدهما عن صاحبه ، فالملك أسّ والعدل حارس ، فما لم يكن له أس فمهدوم ، وما لم يكن له حارس فضائع ، يا بنىّ اجعل حديثك مع أهل المراتب ، وعطيّتك لأهل الجهاد ، وبشرك لأهل الدّين ، وبرّك لمن عناه ما عناك من ذوى العقول . وقال بعض الحكماء : يجب على السلطان أن يلتزم العدل في ظاهر أفعاله لإقامة أمر سلطانه ، وفى باطن ضميره لإقامة أمر دينه ، فإذا فسدت السياسة ذهب السلطان ؛ ومدار السياسة كلَّها على العدل والإنصاف ، فلا يقوم السلطان لأهل الكفر والإيمان إلا بهما ، ولا يدور إلا عليهما .

--> [ 1 ] في الأصل : « حمشيد » بالحاء المهملة ، وصوابه جمشيد بالجيم المعجمة ، ومعناه : شعاع القمر . [ 2 ] الوحا : العجلة والإسراع ، ويمدّ .