النويري
32
نهاية الأرب في فنون الأدب
وإياك والعجلة بالأمور قبل أوانها ، أو التسقّط [ 1 ] فيها عند إمكانها ، أو اللَّجاجة فيها إذا تنكَّرت ، أو الوهن عنها إذا استوضحت ؛ فضع كلّ أمر موضعه وأوقع كلّ عمل موقعه . وإياك والاستئثار بما الناس فيه أسوة [ 2 ] ، والتغابى عما يعنى به مما قد وضح لعيون الناظرين ، فإنه مأخوذ منك لغيرك ، وعما قليل تنكشف عنك أغطية الأمور وينتصف منك للمظلوم . املك حميّة أنفك وسورة حدّك وسطوة يدك وغرب لسانك ، واحترس من كلّ ذلك بكفّ البادرة وتأخير السطوة حتى يسكن غضبك فتملك الاختيار ، ولن تحكم ذلك من نفسك [ 3 ] حتى تكثر همومك بذكر المعاد إلى ربك . والواجب عليك أن تتذكَّر ما مضى لمن تقدّمك من حكومة عادلة ، أو سنّة فاضلة ، أو أثر عن نبيّنا صلى اللَّه عليه وسلم ، أو فريضة في كتاب اللَّه ، فتقتدى بما شاهدت مما عملنا به فيها ، وتجتهد لنفسك في اتّباع ما عهدت إليك في عهدي هذا ، واستوثقت به من الحجّة لنفسي عليك لكيلا تكون لك علَّة عند تسرّع نفسك إلى هواها . وأنا أسأل اللَّه بسعة رحمته وعظيم قدرته على إعطاء كلّ ذي رغبة : أن يوفّقنى [ 4 ] وإياك لما فيه رضاه من الإقامة على العذر الواضح إليه وإلى خلقه ، مع حسن الثناء في العباد وجميل الأثر في البلاد وتمام النعمة وتضعيف الكرامة ، وأن يختم لي ولك بالسعادة والشهادة . إنّا للَّه وإنّا إليه راجعون . تمّ العهد بعون اللَّه تعالى . وقيل : ينبغي للملك أن يسوق العنف باللطف ، والتوفير بالتوقير ، ولا يتخذ أعوانا إلا أعيانا ، ولا أخلَّاء إلا أجلَّاء ، ولا ندماء إلا كرماء ، ولا جلساء إلا ظرفاء .
--> [ 1 ] كذا في نهج البلاغة . وفى الأصل : « التثبت » والمراد بالتسقّط : التهاون . [ 2 ] أسوة بمعنى سواء ، قال في اللسان : القوم أسوة في هذا الأمر أي حالهم فيه واحدة . [ 3 ] كذا في نهج البلاغة ، وفى الأصل « وأن تحكم بذلك في نفسك » . [ 4 ] أن يوفقني ، مفعول « أسأل » وفى الأصل : « وتوفيقي . . . » وما هنا نقلناه عن نهج البلاغة .