النويري
314
نهاية الأرب في فنون الأدب
وللمحتسب أن يمنع أرباب السفن من حمل ما لا تسعه ويخاف منه غرقها . وكذلك يمنعهم من المسير عند اشتداد الريح . وإذا حمل فيها الرجال والنساء ، حجز بينهم بحائل . وإذا اتّسعت السفن ، نصب للنساء مخارج للبراز لئلا يتبرّجن عند الحاجة . وإذا كان في أهل الأسواق من يختصّ بمعاملة النساء ، راعى المحتسب سيرته وأمانته ، فإذا تحقّقها منه ، أقرّه على معاملتهن . وإن ظهرت منه الرّيبة وبان عليه الفجور ، منعه من معاملتهن ، وأدّبه على التعرّض لهن . وقد قيل : إن الحماة وولاة المعاون أخصّ بإنكار هذا والمنع منه من ولاة الحسبة ، لأنه من توابع الزنا . وينظر والى الحسبة في مقاعد الأسواق ، فيقرّ منها ما لا ضرر على المارّة فيه ، ويمنع ما استضرّوا به . ولا يقف منعه على الاستعداء اليه . وإذا بنى قوم في طريق سابل ، منع منه وإن اتّسع له الطريق ، ويأخذهم بهدم ما بنوه ولو كان المبنىّ مسجدا ؛ لأن مرافق الطَّرق للسلوك لا للأبنية . وإذا وضع الناس الأمتعة وآلات الأبنية في مسالك الشوارع والأسواق ارتفاقا لينقلوه حالا بعد حال ، مكَّنوا منه إن لم يستضرّ به المارّة ، ومنعوا منه إن استضرّوا به . وكذلك القول في إخراج الأجنحة والسوابيط [ 1 ] ومجاري المياه وآبار الحشوش [ 2 ] ، يقرّ ما لم يضرّ ، ويمنع ما ضرّ . ويجتهد المحتسب رأيه فيما ضرّ وما لم يضر ، لأنه من الاجتهاد العرفىّ [ دون الشرعىّ . والفرق بين الاجتهادين أنّ الاجتهاد الشرعىّ ما روعى فيه أصل ثبت حكمه بالشرع ، والاجتهاد العرفىّ ما روعى فيه أصل ثبت حكمه بالعرف . ويوضح الفرق بينهما بتمييز ما يسوغ فيه اجتهاد المحتسب مما هو ممنوع من الاجتهاد [ 3 ] فيه ] .
--> [ 1 ] السوابيط : جمع ساباط ، والساباط : سقيفة بين دارين . [ 2 ] الحشوش : جمع حش مثلث الحاء ، والحش : البستان . يطلق على بيت الخلاء كما هنا لما كان من عادتهم من التغوّط في البساتين . [ 3 ] زيادة عن الأحكام السلطانية .