النويري

311

نهاية الأرب في فنون الأدب

في قرار أرضه وإن قطعها . وإذا نصب المالك تنّورا في داره فتأذّى الجار بدخانه ، لم يعترض عليه ولم يمنع منه . وكذلك لو نصب في داره رحى أو وضع فيها حدّادين أو قصّارين ، لم يمنع منه . وإذا تعدّى مستأجر على أجير في نقصان أجره أو زيادة عمل ، كفّه عن تعدّيه ؛ وكان الإنكار عليه معتبرا بشواهد حاله . ولو قصّر الأجير في حق المستأجر فنقصه من العمل أو استزاده في الأجرة ، منعه منه وأنكره عليه إذا تخاصما اليه ؛ فإن اختلفا وتناكرا ، كان الحاكم بالنظر بينهما أحقّ . ومما يؤخذ ولاة الحسبة بمراعاته من أهل الصنائع في الأسواق ثلاثة أصناف : منهم من يراعى عمله في الوفور والتقصير ، ومنهم من يراعى حاله في الأمانة والخيانة ، ومنهم من يراعى عمله في الجودة والرّداءة . فأمّا من يراعى عمله في الوفور والتقصير فكالطبّ والتعليم ، لأن الطب إقدام على النفوس يفضى التقصير فيه إلى تلف أو سقم . وللمعلمين من الطرائق التي ينشأ الصغار عليها ما يكون نقلهم عنه بعد الكبر عسيرا [ 1 ] ، فيقرّ منهم من توفّر علمه وحسنت طريقته ، ويمنع من قصّر وأساء من التّصدّى لما تفسد به النفوس وتخبث به الآداب . وأما من يراعى حاله في الأمانة والخيانة ، فمثل الصّاغة والحاكة والقصّارين والصبّاغين ، لأنهم ربما هربوا بأموال الناس ، فيراعى أهل الثقة والأمانة منهم فيقرّهم ويبعد من ظهرت خيانته ، ويشهر أمره ، لئلا يغترّ به من لا يعرفه . وقد قيل : إن الحماة وولاة المعاون أخصّ بالنظر في أحوال هؤلاء من ولاة الحسبة ؛ وهو الأشبه ، لأن الخيانة تابعة للسّرقة .

--> [ 1 ] عبارة الأصل : « والمعلمين من الطرائق التي ينشأ الصغار عليها فيكون نقلهم عنه . . . » وفيها تحريف واضح . والتصويب عن الأحكام السلطانية .