النويري
310
نهاية الأرب في فنون الأدب
لأنهم أحق بالأحكام ، وكان التأديب فيه إلى المحتسب . فإن ولَّاه الحاكم جاز ، لاتّصاله بحكمه . ومما ينكره المحتسب في العموم ولا ينكره في الخصوص والآحاد ، التّبايع بما لم يألفه أهل البلد من المكاييل والأوزان التي لا تعرف فيه وإن كانت معروفة في غيره . فإن تراضى بذلك اثنان ، لم يعترض عليهما بالإنكار والمنع ، ويمنع من عموم التعامل بها ، لأنه قد يعاملهم فيها من لا يعرفها فيصير مغرورا . هذا ما يتعلَّق بالنهى في حقوق اللَّه تعالى . وأما النهى في حقوق الآدميين المحضة - مثل أن يتعدّى رجل في حد لجاره ، أو حريم لداره ، أو وضع أجذاع على جداره ، فلا اعتراض للمحتسب فيه ما لم يستعده الجار ، لأنه حقّ يخصّه يصحّ منه العفو عنه والمطالبة به ؛ فإن خاصمه فيه إلى المحتسب ، نظر فيه ، ما لم يكن بينهما تنازع وتناكر ، وأخذ المتعدّى بإزالة تعدّيه ؛ وكان تأديبه عليه بحسب شواهد الحال . فإن تنازعا كان الحاكم بالنظر فيه أحقّ . ولو أقرّ الجار جاره على تعدّيه وعفا عن مطالبته بهدم ما تعدّى فيه ثم عاد وطالب بذلك ، كان ذلك له ، وأخذ المتعدّى بعد العفو عنه بهدم ما بناه . وإن كان قد ابتدأ البناء ووضع الأجذاع بإذن الجار ثم رجع الجار في إذنه ، لم يؤخذ الباني بهدمه . وإن انتشرت أغصان شجرة إلى دار جاره ، كان للجار أن يستعدى المحتسب حتى يعديه على صاحب الشجرة ، ليأخذه بإزالة ما انتشر من أغصانها في داره ؛ ولا تأديب عليه لأن انتشارها ليس من فعله . ولو انتشرت عروق الشجرة تحت الأرض حتى دخلت في قرار أرض الجار ، لم يؤخذ بقلعها ولم يمنع الجار من التصرّف