النويري

26

نهاية الأرب في فنون الأدب

ولم يستقم أمره إلا قليلا . فإن شكوا ثقلا أو علَّة أو انقطاع شرب [ أو بالَّة [ 1 ] ] أو إحالة أرض اغتمرها غرق أو أجحف بها عطش ، خفّفت عنهم بما ترجو أن يصلح به أمرهم ؛ ولا يثقلنّ عليك شئ خفّفت به المؤنة عنهم ، فإنه ذخر يعودون به عليك في عمارة بلادك وتزيين ولايتك ، مع استجلابك حسن ثنائهم وتبجّحك [ 2 ] باستفاضة العدل فيهم ، معتمدا فضل قوّتهم بما ذخرت عندهم من إجمامك [ 3 ] لهم والثّقة منهم بما عوّدتهم من عدلك عليهم ورفقك بهم . فربما حدث من الأمور ما إذا عوّلت [ فيه ] عليهم من بعد ، احتملوه طيّبة أنفسهم به ، فإن العمران يحتمل ما حمّلته ، وإنما يؤتى خراب الأرض من إعواز أهلها ، وإنما يعوز أهلها لإشراف أنفس الولاة على الجمع وسوء ظنّهم بالبقاء وقلَّة انتفاعهم بالعبر . واستعمل من يحبّ أن يدّخر حسن الثناء من الرعيّة والمثوبة من اللَّه عزّ وجلّ والرضا من الإمام . ثم انظر في حال الكتّاب فولّ أمورك خيرهم . واخصص رسائلك التي تدخل فيها مكايدك وأسرارك بأجمعهم لوجود [ 4 ] صالح الأخلاق ممن لا تبطره الكرامة فيجترئ بها عليك في خلاف لك بحضرة ملأ ، ولا تقصّر [ 5 ] به الغفلة عن إيراد مكاتبات عمّالك [ عليك ] وإصدار جوابها على الصواب منها عنك ، وفيما يأخذ لك ويعطى منك ، ولا يضعف عقدا اعتقده لك ، ولا يعجز عن إطلاق ما عقد عليك ، ولا يجهل مبلغ قدر نفسه [ 6 ] في الأمور ، فإن الجاهل بقدر نفسه يكون بقدر غيره أجهل . ثم لا يكن

--> [ 1 ] أي شكوا ثقل المضروب عليهم من مال الخراج ، أو نزول علة سماوية ، أو انقطاع شرب ( الشرب بالكسر : الماء ) فيما يسقى بالأنهار ، أو بالَّة وهو ما يبل الأرض من مطروندى فيما يسقى بالمطر ، وإحالة الأرض : تحولها وتغيرها . [ 2 ] التبجح : الفرح والسرور . [ 3 ] إجمامك لهم : تركك إياهم حتى إذا ما استراحوا تقوّوا على معونتك . [ 4 ] كذا في الأصل ولعله محرف عن « وجوه » . [ 5 ] كذا في نهج البلاغة وفى الأصل : « ولا تقصر بك . . . » . [ 6 ] في الأصل : « قدر نفسك . . . » وكذلك فعلا يعجز ويجهل بتاء الخطاب ، والسياق يقتضى ما وضعناه عن نهج البلاغة .