النويري

27

نهاية الأرب في فنون الأدب

اختيارك إيّاهم على فراستك واستنامتك وحسن الظَّن منك ، فإن الرجال يتعرّفون [ 1 ] لفراسات الولاة بتصنّعهم وحسن خدمتهم ؛ وليس وراء ذلك من النصيحة والأمانة شئ ؛ ولكن اختبرهم بما ولوا للصالحين [ 2 ] قبلك ، فآعمد لأحسنهم كان في العامّة أثرا ، وأعرفهم بالأمانة وجها ، فإن ذلك دليل على نصيحتك للَّه ولمن وليت أمره . واجعل لرأس كل أمر من أمورك رأسا منهم لا يقهره كبيرها ولا يتشتّت عليه كثيرها . ومهما كان في كتّابك من عيب فتغابيت عنه ألزمته . ثم استوص بالتجّار وذوى الصناعات ، وأوص بهم خيرا المقيم [ منهم و ] المضطرب بماله والمترفّق ببدنه ، فإنهم موادّ المنافع وأسباب المرافق وجلَّابها من المباعد والمطارح في برّك وبحرك وسهلك وجبلك وحيث لا يلتئم الناس لمواضعها ولا يجترئون عليها ، فإنّهم سلم لا تخاف بائقته ، وصلح لا تخشى غائلته . وتفقّد أمورهم بحضرتك وفى حواشي بلادك . واعلم أن [ في ] كثير منهم ضيقا فاحشا وشحّا قبيحا واحتكارا للمنافع في المبايعات ، وذلك باب مضرّة للعامّة ، وعيب على الولاة . فامنع [ من ] الاحتكار ، فإن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم منع منه . وليكن البيع بيعا سمحا بموازين عدل وأسعار لا تجحف بالفريقين البائع والمبتاع ، فمن قارف حكرة بعد نهيك إيّاه فنكَّل به وعاقبه من غير إسراف . ثم اللَّه اللَّه في الطبقة السّفلى من الذين لا حيلة لهم والمساكين والمحتاجين و [ أهل ] البؤسى والزّمنى ، فإن [ في ] هذه الطبقة قانعا ومعترّا ، فاحفظ للَّه ما استحفظك من حقّه فيهم ، واجعل لهم قسما من بيت مالك ، وقسما من غلَّات صوافى [ 3 ] الإسلام في كل بلد ، فإن للأقصى منهم مثل الذي للأدنى . وكلّ قد استرعيت حقّه فلا يشغلنّك

--> [ 1 ] قال الأستاذ الإمام : أي يتوسلون إليها لتعرفهم . [ 2 ] كذا في نهج البلاغة وفى الأصل : « ولكن اختبرهم بهؤلاء الصالحين » . [ 3 ] صوافى جمع صافية : أرض الغنيمة .