النويري

25

نهاية الأرب في فنون الأدب

وآخذهم بالحجج ، وأقلَّهم تبرّما بمراجعة الخصم ، وأصبرهم على تكشّف الأمور ، وأصرمهم عند إيضاح الحكم ، ممن لا يزدهيه إطراء ، ولا يستميله إغراء ؛ وأولئك قليل . ثم أكثر تعاهد قضائه ؛ وافسح له في البذل ما يريح علَّته وتقلّ معه حاجته إلى الناس ، وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصّتك ، ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك . فانظر في ذلك نظرا بليغا ؛ فإن هذا [ الدّين ] قد كان أسيرا في أيدي الأشرار يعمل فيه بالهوى وتطلب به [ 1 ] الدنيا . ثم انظر في أمور عمّالك فاستعملهم اختبارا ولا تولَّهم محاباة وأثرة ، فإنهما جمّاع من شعب الجور والخيانة . وتوخّ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة والقدم في الإسلام المتقدّمة ، فإنهم أكرم أخلاقا ، وأصحّ أعراضا ، وأقلّ في المطامع إسرافا ، وأبلغ في عواقب الأمور نظرا . ثم أسبغ عليهم الأرزاق ، فإن ذلك قوّة لهم على استصلاح أنفسهم ، وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم ، وحجّة عليهم إن خالفوا أمرك أو ثلموا أمانتك . ثم تفقّد أعمالهم ، وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم ، فإنّ تعاهدك في السرّ لأمورهم حدوة [ 2 ] لهم على استعمال الأمانة والرّفق بالرعيّة . وتحفّظ من الأعوان ، فإن أحد منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك اكتفيت بذلك شاهدا ، فبسطت عليه العقوبة في بدنه ، وأخذته بما أصاب من عمله ، ثم نصبته بمقام الذّلة ، ووسمته بالخيانة ، وقلَّدته عار التّهمة . وتفقّد أمر الخراج بما يصلح أهله ، فإنّ صلاحهم وصلاحه صلاح لمن سواهم ، ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم ، لأنّ الناس كلَّهم عيال على الخراج وأهله . وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج ، لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة ؛ ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد

--> [ 1 ] كذا في نهج البلاغة ، وفى الأصل : « وتطلب منه الدنيا » . [ 2 ] حذوة لهم أي سوق لهم وحثّ .