النويري

24

نهاية الأرب في فنون الأدب

لطفا تعاهدهم به وإن قلّ ، فإنه داعية لهم إلى بذل النصيحة لك ، وحسن الظن بك . ولا تدع تفقّد لطيف أمورهم اتّكالا على جسيمها ، فإن لليسير من لطفك موضعا ينتفعون به ، وللجسيم موقعا لا يستغنون عنه . وليكن آثر رؤس جندك عندك من واساهم في معونته وأفضل عليهم من جدته بما يسعهم ويسع من وراءهم من خلوف أهليهم حتى يكون همّهم همّا واحدا في جهاد العدوّ ، فإنّ عطفك عليهم يعطَّف عليك قلوبهم ؛ [ وإنّ أفضل قرّة عين الولاة استقامة العدل في البلاد وظهور مودّة الرعيّة ؛ وإنه لا تظهر مودّتهم إلا بسلامة صدرهم ] ، ولا تصحّ نصيحتهم إلا بحيطتهم على ولاة أمورهم وقلَّة استثقال دولهم وترك استبطاء انقطاع مدّتهم ، فافسح في آمالهم [ 1 ] وواصل في حسن الثناء عليهم وتعديد ما أبلى ذوو البلاء منهم ، فإن كثرة الذّكر لحسن فعالهم تهزّ الشجاع وتحرّض الجبان إن شاء اللَّه . ثم اعرف لكل امرئ منهم ما أبلى . ولا تضمّنّ [ بلاء ] امرئ إلى غيره ، ولا تقصّرنّ به دون غاية بلائه . ولا يدعونّك شرف امرئ إلى أن تعظَّم من بلائه ما كان صغيرا ، ولا ضعة امرئ إلى أن تستصغر من بلائه ما كان عظيما . واردد إلى اللَّه ورسوله ما يضلعك من الخطوب ويشتبه عليك من الأمور ؛ فقد قال اللَّه تعالى لقوم أحبّ إرشادهم : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا الله وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوه إِلَى الله والرَّسُولِ ) * ؛ فالرادّ إلى اللَّه هو الآخذ بمحكم كتابه ، والرادّ إلى الرسول الآخذ بسنّته الجامعة غير المتفرّقة . ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيّتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور ، ولا تمحكه [ 2 ] الخصوم ، ولا يتمادى في الزّلَّة ، ولا يحصر [ 3 ] من الفىء إلى الحق إذا عرفه ، ولا تشرف [ نفسه ] على طمع ، ولا يكتفى بأدنى فهم دون أقصاه ، أوقفهم في الشّبهات ،

--> [ 1 ] كذا في نهج البلاغة ، وفى الأصل « وافسح في أموالهم . . . » . [ 2 ] أمحكه : أغضبه أو جعله محكان كسكران : عسر الخلق . [ 3 ] يحصر : يضيق صدره .