النويري
261
نهاية الأرب في فنون الأدب
من شعب الحكم ، فينبغي أن يكون من يتولَّاه في العدالة والأمانة والعلم الذي يحتاج اليه كمن يتولَّى جميع شعبه . وكذلك أصحاب المسائل هم أمناء القاضي على الشهادات التي تتعلَّق بها حقوق المسلمين ، فلا ينبغي أن يأمن عليها إلا المستحقّ لأن يؤتمن ، ولا يثق فيها إلا بمن يستوجب بحسن أحواله الثقة به . وينبغي للقاضي أن ينزّه نفسه ومن حوله ويشدّد عليهم ولا يرخّص لهم في أمر ينقمه منهم أو يخشى أن يتطرّقوا به إلى غيره ويرتقوا إلى ما فوقه . وقد كان عمر بن الخطَّاب رضى اللَّه عنه إذا صعد المنبر فنهى الناس عن شئ ، جمع أهله فقال : إني نهيت الناس عن كذا وكذا ، وإنّ الناس ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم النّىء ، وأقسم باللَّه لا أجد أحدا منكم فعله إلا أضعفت عليه العقوبة . قال : ولا ينبغي للإمام ولا القاضي أن يقدّم أقاربه على عامّة المسلمين ، ولا يسوّغهم ما لا يسوّغ غيرهم ، ولا ينظر لهم بما لا ينظر به لغيرهم ، ولا يستعملهم ويولَّيهم . وأما ما يعتمده في جلوسه - فقد قال الحليمىّ أيضا : وإذا أراد الحاكم الجلوس للحكم فليجلس وهو فارغ القلب لا يهمّه إلا النظر في أمور المتظلَّمين . وإن تغيّرت حاله بغضب أو غمّ أو سرور مفرط أو وجع أو ملالة [ 1 ] أو اعتراء نوم أو جوع فليقم إلى أن يزول ما به ويتمكَّن من رأيه وعقله ثم يجلس . فقد روى عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « لا يقضى [ 2 ] القاضي بين اثنين وهو غضبان » ؛ وعنه
--> [ 1 ] في الأصل : « أو ملامة » . [ 2 ] في صحيح البخاري : « لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان » .