النويري

262

نهاية الأرب في فنون الأدب

صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « لا يقضى القاضي إلَّا وهو شعبان ريّان » . هكذا نقل الحليمىّ في « منهاجه » ، وهذه سنّة السلف . قال : والقاضي في جلوسه بالخيار : إن شاء أن يخرج بالغداة إذا طلعت الشمس فيقضى حوائج الناس أوّلا فأوّلا حتى لا يزد حموا على بابه ، فعل ؛ وإن شاء أقام في [ 1 ] بيته يتأهّب ويستعدّ بمطالعة بعض الكتب أو بالاجتهاد والتأمّل إلى أن يجتمع الخصوم ثم يخرج ، فعل . وينبغي أن يكون عند الحاكم من يحفظ نوب الناس فيقدّم الأوّل فالأوّل ، ويجلسهم مجالسهم . وإن رأى القاضي أن يحضر مجلسه درّة تطرح على أعين الناس لينتهوا بها فإن استوجب أحد من الخصوم تعزيرا أقيم عليه بها ، فعل . روى عن عمر بن الخطَّاب رضى اللَّه عنه أنّ درّته كانت تكون معه ، وكذلك جماعة من قضاة السّلف رحمهم اللَّه . وأمّا في عصرنا هذا فقد كان شيخنا الإمام العلَّامة القدوة مفتى الفرق بقيّة المجتهدين تقىّ الدّين أبو الفتح محمد ابن الشيخ الإمام مجد الدّين أبى الحسين علىّ بن وهب ابن مطيع القشيرىّ المعروف بابن دقيق العيد - رحمه اللَّه - منع نوّابه من أن يضربوا بالدّرّة في أثناء ولايته قاضى القضاة بالديار المصريّة ، وقال : إنه عار يلحق ولد الولد . وكان سبب منعه - رحمه اللَّه ورضى عنه - لذلك أن بعض نوّابه بالأعمال عزّر بعض أعيان البلاد التي هو ينوب بها بالدرّة في المسجد الجامع وقال له عقيب ضربه وإسقاطه : قد ألحقتك بأبيك وجدّك ، وكانت هذه الحادثة في سنة سبع وتسعين وسمائة أو ما يقاربها ، ففارق ذلك الرجل بلاده ووطنه ؛ فلما اتّصل الخبر بقاضى القضاة شقّ عليه ومنع نوّابه من الضرب بها .

--> [ 1 ] كذا بالأصل ، والمناسب « أن يقيم » بدل « أقام » ليست جواب الشرط بل هي متعلق المشيئة .