النويري

257

نهاية الأرب في فنون الأدب

وقد استوفى عمر بن الخطَّاب رضى اللَّه عنه في عهده إلى أبى موسى الأشعرىّ شروط القضاء وبيّن أحكام التقليد حين ولَّاه القضاء ، قال : أما بعد ، فإنّ القضاء فريضة محكمة وسنّة متّبعة . فافهم إذا أدلى إليك . [ وأنفذ إذا تبيّن لك [ 1 ] ] فإنه لا ينفع تكلَّم بحقّ لا نفاذ له . وآس [ 2 ] بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك ، حتّى لا يطمع شريف في حيفك ، ولا ييأس ضعيف من عدلك . البيّنة على من ادّعى ، واليمين على من أنكر . والصّلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحلّ حراما أو حرّم حلالا . ولا يمنعك قضاء قضيته أمس فراجعت اليوم فيه عقلك وهديت فيه لرشدك أن لرجع إلى الحق ؛ فإنّ الحق قديم ، ومراجعة الحقّ خير من التّمادى في الباطل . الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنّة . ثم اعرف الأمثال والأشباه ، وقس الأمور بنظائرها . واجعل لمن ادّعى حقّا غائبا أو بيّنة أمدا ينتهى اليه ؛ فإن أحضر بينة أخذت له بحقّه ، وإلَّا استحللت القضية عليه ؛ فان ذلك أنفى للشكّ وأجلى للعمى . المسلمون عدول بعضهم على بعض ، إلا مجلودا في حد ، أو مجرّبا عليه شهادة زور ، أو ظنينا في ولاء أو نسب . فإن اللَّه قد تولَّى منكم السرائر ودرأ بالبينات والأيمان [ 3 ] ؛ وإياك والغلق [ 4 ] والضّجر والتأففّ بالخصوم ، فإنّ استقرار الحق في مواطن الحق يعظم اللَّه به الأجر ويحسن به الذكر . والسلام .

--> [ 1 ] التكملة من صبح الأعشى ( ج 10 ص 193 طبع المطبعة الأميرية بالقاهرة ) . [ 2 ] آس بين الناس : أي سوّ بينهم واجعل كل واحد منهم أسوة خصمه ، أي حاله مثل حاله . [ 3 ] كذا في صبح الأعشى . وفى الأصل « فإن اللَّه سبحانه عفا عن الأيمان ورد البينات » . وفيه تحريف . وورد في المصدر الذي نقل عنه الأصل وهو الأحكام السلطانية : « فإن اللَّه عفا عن الأيمان ودرأ بالبينات » . وفى البيان والتبيين للجاحظ ( ج 2 ص 24 طبع مطبعة الفتوح الأدبية بمصر ) : « فإن اللَّه قد تولى منكم السرائر ودرأ عنكم بالشبهات » . [ 4 ] الغلق : ضيق الصدر وقلة الصبر .