النويري
258
نهاية الأرب في فنون الأدب
ذكر ما يأتيه القاضي ويذره في حقّ نفسه إذا دعى إلى الولاية أو خطبها ، وما يلزم الناس من امتثال أمره وطاعته ، وما يعتمده في أمر كاتبه وبطانته وأعوانه وجلوسه لفصل المحاكمات والأقضية قال الحليمىّ : وإذا دعا الإمام رجلا إلى القضاء ، فينبغي له أن ينظر في حال نفسه وحال الناس الذين يدعى إلى النظر في مظالمهم . فإن وثق من نفسه بالاستقلال والكفاية والاقتدار على أداء الأمانة ، وعلم أنه إن لم يقبل صار الأمر إلى من لا يكون للمسلمين مثله ، فأولى به أن يجيب إلى ما يدعى اليه ويقبله ويحسن النية في قبوله ؛ ليكون عمله لوجه اللَّه تعالى . وإن وجد من يقوم مقامه ويسدّ مسدّه فهو بالخيار ؛ والتمسّك أفضل . فأمّا إن لم يعلم من نفسه الاستقلال ، أو لم يأمن أن يكون منه سوء التمسّك وقلة التمالك ، فلا ينبغي له أن يجيب . وهكذا إن كان هناك من هو خير منه علما وعقلا وخلقا . وإن عرض الأمر عليه فلا ينبغي له أن يتسارع إلى ما يدعى اليه ، لينظر ما الذي يكون من الآخر . قال : وإذا دعا الإمام رجلا إلى عمل من أعماله ، قضاء أو غيره ، والرجل ممن يصلح له ، فأبى ، فإن وجد الإمام من يقوم مقامه في ذلك أعفاه ، وإن لم يجد من يقوم مقامه أجبره عليه اقتداء بعمر بن الخطَّاب رضى اللَّه عنه ؛ فإنه دعا سعيد بن عامر الجمحىّ فقال : إني مستعملك على أرض كذا وكذا ؛ فقال : لا تفتنّى ؛ فقال عمر : واللَّه لا أدعك ، قلَّدتموها [ 1 ] عنقي وتتركونى ! قال : وإذا كان عند الرجل أنه يصلح للقضاء فأراد أن يطلبه ، أو دعاه الإمام إليه فأراد أن يجيبه ، فلا ينبغي له أن يبادر بما في نفسه من طلب أو إجابة حتى يسأل
--> [ 1 ] في الأصل : « تقلدتموها » .