النويري

182

نهاية الأرب في فنون الأدب

فأتيا معاوية وأعلماه بما كان من فراق عبد اللَّه زوجته رغبة في الاتصال با بنته ؛ فأظهر معاوية كراهة فعله وفراقه لزينب وقال : ما استحسنت له طلاق امرأته ولا أحببته ، فانصرفا في عافية ثم عودا إليها وخذا رضاها . فقاما ثم عادا اليه ، فأمرهما بالدخول على ابنته وسؤالها [ 1 ] عن رضاها تبرّيّا من الأمر ، وقال : لم يكن لي أن أكرهها وقد جعلت لها الشورى في نفسها . فدخلا عليها وأعلماها بطلاق عبد اللَّه بن سلَّام امرأته ليسرّها ، وذكرا من فضله وكمال مروءته وكرم محتده ؛ فقالت لهما : إنه في قريش لرفيع القدر ، وقد تعرفان أن الأناة في الأمور أرفق لما يخاف من المحذور ، وإني سائلة عنه حتى أعرف دخلة أمره وأعلمكما بالذي يزيّنه اللَّه لي ، ولا قوّة إلا باللَّه ؛ فقالا : وفّقك اللَّه وخار لك . وانصرفا عنها ، وأعلما عبد اللَّه بقولها ؛ فأنشد : فإن يك صدر هذا اليوم ولَّى فإنّ غدا لناظره قريب وتحدّث الناس بما كان من طلاق عبد اللَّه زينب وخطبته ابنة معاوية ، ولا موه على مبادرته بالطلاق قبل إحكام أمره وإبرامه . ثم استحثّ عبد اللَّه أبا هريرة وأبا الدرداء ؛ فأتياها وقالا لها : اصنعي ما أنت صانعة واستخيرى اللَّه ، فإنه يهدى من استهداه ؛ فقالت : أرجو ، والحمد للَّه ، أن يكون [ 2 ] اللَّه قد خار [ لي ] ، وقد استبرأت [ 3 ] أمره وسألت عنه فوجدته غير ملائم ولا موافق لما أريد لنفسي ، ولقد اختلف من استشرته فيه ، فمنهم الناهى عنه و [ منهم ] الآمر به ، واختلافهم أوّل ما كرهت . فلما بلَّغاه كلامها علم أنه مخدوع ، وقال : ليس لأمر اللَّه رادّ ، ولا لما لا بدّ [ 4 ] منه

--> [ 1 ] في الأصل : « . . . وسؤالهما . . . » . [ 2 ] في كتاب الإمامة والسياسة : « الحمد للَّه أرجو أن يكون . . . » . [ 3 ] في الأساس : « استبرأت الشئ : طلبت آخره لأقطع الشبهة عنى » . والمعنى هنا أنها استقصت جميع أموره حتى عرفته كل المعرفة . [ 4 ] في الأصل : « ولا لما لا يدنيه صاد » ولعله تحريف عما وضعناه ، وأن الياء والدال من « يدنيه » محرّفتان عن « بد » وبقية الكلمة محرّفة عن « منه » . ويؤيد هذا أن عبارة « الإمامة والسياسة » « ولا لما لا بد أن يكون منه صاد » .