النويري

183

نهاية الأرب في فنون الأدب

صادّ ؛ فإن المرء وإن كمل له حلمه واجتمع له عقله واستدّ رأيه ليس بدافع عن نفسه قدرا برأي ولا كيد . ولعل ما سرّوا به واستجذلوا [ 1 ] [ له ] لا يدوم لهم سروره ، ولا يصرف عنهم محذوره . وذاع أمره وفشا في الناس ، وقالوا : خدعه معاوية حتى طلَّق امرأته ، وإنما أرادها لابنه ، وقبّحوا فعله . فتمّت مكيدته هذه ؛ لكن المقادير أتت بخلاف تدبيره وبضدّ تقديره . وذلك أنه لما انقضت أقراء زينب ، وجّه معاوية أبا الدرداء إلى العراق خاطبا لها على ابنه يزيد ؛ فخرج حتى قدم الكوفة ، وبها يومئذ الحسين بن علىّ رضى اللَّه عنهما ، فبدأ أبو الدرداء بزيارته ، فسلم عليه الحسين وسأله عن سبب مقدمه ؛ فقال : وجّهنى معاوية خاطبا على ابنه يزيد زينب بنت إسحاق ؛ فقال له الحسين : لقد كنت أردت نكاحها وقصدت الإرسال إليها إذا انقضت أقراؤها ، فلم يمنعني من ذلك إلا تخيّر مثلك [ 2 ] ، فقد أتى اللَّه بك ، فاخطب - رحمك اللَّه - علىّ وعليه ، لتتخيّر من اختاره اللَّه لها ، وهى أمانة في عنقك حتى تؤدّيها إليها ، وأعطها من المهر مثل ما بذل معاوية عن ابنه ؛ فقال : أفعل إن شاء اللَّه . فلما دخل عليها أبو الدرداء قال : أيتها المرأة ، إنّ اللَّه خلق الأمور بقدرته ، وكوّنها بعزته ، فجعل لكل أمر قدرا ، ولكل قدر سببا ، فليس لأحد عن قدر اللَّه مستحاص ، ولا للخروج عن أمره مستناص ؛ فكان مما [ 3 ] سبق لك وقدّر عليك الذي كان من فراق عبد اللَّه بن سلَّام إيّاك ، ولعل ذلك لا يضرّك ويجعل اللَّه فيه خيرا كثيرا ؛ وقد خطبك أمير هذه الأمة وابن ملكها وولىّ عهده والخليفة من بعده

--> [ 1 ] كذا في « كتاب الإمامة والسياسة » وفى الأصل : « ما سوّلوا به واستخذلوا » . [ 2 ] في الأصل وفى « كتاب الإمامة والسياسة » : « فلم يمنعني من ذلك الا تخيير مثلك . . . » وظاهر أن الذي يلتئم مع السياق انما هو التخير وهو الانتقاء ، إذ المراد هنا انتقاء الرسول الذي يحسن القيام بهذه السفارة . [ 3 ] كذا في كتاب الإمامة والسياسة . وفى الأصل : « فكان ما سبق لك . . . » .