النويري
179
نهاية الأرب في فنون الأدب
في القدوم فأذن له ؛ فلما وصل اليه قال له معاوية : كبرت سنك ، واقترب أجلك ، ولم يبق منك شئ ، ولا أظنّنى إلا مستبدلا بك . قال : فانصرف والكآبة تعرف في وجهه ؛ فقيل له : ما تريد أن تفعل [ 1 ] ؟ فقال : ستعلمون ذلك . ثم أتى معاوية فقال : يا أمير المؤمنين ، إنّ الأنفس يغدى عليها ويراح ، ولست في زمن أبى بكر ولا عمر ، وقد اجترح الناس ، ولو نصبت لنا علما من بعدك نصير اليه ! مع أنى كنت قد دعوت أهل العراق إلى يزيد فركنوا اليه حتى جاءني كتابك ؛ قال : يا أبا محمد ، انصرف إلى عملك فأحكم هذا الأمر لابن أخيك ، وأعاده على البريد يركض . وقيل : جاء بازيار [ 2 ] لعبد اللَّه بن طاهر فأعلمه أن بازيا له انحط على عقاب له فقتلها ؛ فقال : اذهب فاقطف رأسه ، فإني لا أحبّ الشئ أن يجترئ على ما فوقه . وأراد أن يبلغ ذلك المأمون فيسكن إلى جانبه . قال الشعبىّ : وجّهنى عبد الملك بن مروان إلى ملك الروم ، فلما قدمت عليه ودفعت اليه كتاب عبد الملك ، جعل يسألني عن أشياء فأخبره بها ، فأقمت عنده أياما ، ثم كتب جواب كتابي ، فلما انصرفت دفعته إلى عبد الملك ، فجعل يقرؤه ويتغيّر لونه ، ثم قال : يا شعبىّ ، علمت ما كتب به إلىّ الطاغية ؟ قلت : يا أمير المؤمنين ، كانت الكتب مختومة ما قرأتها وهى إليك ؛ فقال : إنه كتب إلىّ : إنّ العجب من قوم يكون فيهم مثل من أرسلت به إلىّ فيملَّكون غيره ؛ فقال : قلت يا أمير المؤمنين لأنه لم يرك ؛ قال : فسرّى عنه ، ثم قال : إنه حسدنى عليك فأراد أن أقتلك . قال : ولمّا ظفر الجنيد بن عبد الرحمن - وهو يلي خراسان في أيام هشام - بصبيح الخارجىّ وبعدّة من أصحابه فقتلهم جميعا إلا رجلا أعمى [ قال هذا الرجل [ 3 ] ] أنا أدلَّك
--> [ 1 ] تكررت في الأصل جملة « فقيل له ما تريد أن تفعل » سهوا من الناسخ . [ 2 ] البازيار : القيم على البزاة أو المتجربها . [ 3 ] زيادة يقتضيها السياق .