النويري

180

نهاية الأرب في فنون الأدب

على أصحاب صبيح وأجازيك على ما صنعت ، وكتب له قوما ؛ فأمر الجنيد بقتلهم حتى قتل مائة ؛ فقال الأعمى عند ذلك : لعنك اللَّه باجنيد ! أتزعم أنه يحلّ لك دمى وأنّى ضالّ ثم تقبل قولي في مائة قتلتهم ! لا ! واللَّه ما كتبت لك من أصحاب صبيح رجلا ، وما هم إلا منكم . فقدّمه الجنيد وقتله . وكان معاوية بن أبي سفيان من الدّهاة ؛ وله أخبار في الدّهاء تدلّ على بعد غوره وحدّة ذهنه . فمنها [ 1 ] أن يزيد ابنه سمع بجمال زينب بنت إسحاق زوج عبد اللَّه بن سلَّام القرشىّ ، وكانت من أجمل النساء في وقتها وأحسنهنّ أدبا وأكثرهنّ مالا ، ففتن بها يزيد ؛ فلما عيل صبره ذكر ذلك لبعض خصيان أبيه ، وكان ذلك الخصىّ خاصّا بمعاوية واسمه رفيق ، فذكر رفيق ذلك لمعاوية وقال له : إنّ يزيد قد ضاق ذرعه بها . فبعث معاوية إلى يزيد فاستفسره عن أمره ؛ فبثّ له شأنه ؛ فقال : مهلا يا يزيد ؛ فقال له : علام تأمرني بالمهل وقد انقطع منها الأمل ؟ فقال له معاوية : فأين مروءتك وحجاك [ وتقاك ] ؟ فقال : قد عيل الصبر ، ولو كان أحد [ ينتفع فيما يبتلى ] به من الهوى [ بتقاه ، أو يدفع ما أقصده بحجاه ] لكان أولى الناس به داود حين ابتلى به ؛ فقال : اكتم يا بنىّ أمرك ، فإن البوح به غير نافعك ، واللَّه بالغ أمره فيك ، ولا بدّ مما هو كائن . وأخذ معاوية في الاحتيال في تبليغ يزيد مناه ، فكتب إلى زوجها عبد اللَّه بن سلَّام ، وكان قد استعمله على العراق : أن أقبل حين تنظر كتابي لأمر [ 2 ] فيه حظَّك إن شاء اللَّه تعالى فلا تتأخر عنه . فأغذّ السير وقدم ، فأنزله معاوية منزلا كان قد هيّىء له وأعدّ فيه نزله ؛ وكان عند معاوية يومئذ بالشأم أبو هريرة وأبو الدّرداء ، فقال لهما معاوية : إنّ اللَّه قد قسم بين عباده قسما [ ووهبهم نعما ] أوجب عليهم فيها شكره وحتّم عليهم حفظها ، فحبانى

--> [ 1 ] أورد صاحب « كتاب الإمامة والسياسة » هذه القصة بزيادات كثيرة واختلاف في العبارات عما هنا . وقد أثبتنا من هذه الزيادات ما يستقيم به الكلام ، وهو ما وضعناه بين القوسين . [ 2 ] في الأصل : « والأمر . . . » وما أثبتناه عن كتاب الإمامة والسياسة .