النويري

159

نهاية الأرب في فنون الأدب

وانهوا جيوشكم عن الغلول [ 1 ] فإنه ما غلّ جيش قطَّ إلا قذف اللَّه الرعب في قلوبهم » وقال أبو الدرداء : يا أيها الناس ، عمل صالح قبل الغزو فإنما تقاتلون بأعمالكم . والعاشر : ألَّا يمكَّن أحدا من جيشه أن يتشاغل بتجارة أو زراعة ليصرفه [ 2 ] الاهتمام بها عن مصابرة العدوّ وصدق الجهاد . روى عن نبىّ من أنبياء اللَّه تعالى أنه قال : « لا يغزون معي من بنى بناء لم يكمله ولا رجل تزوّج امرأة لم يدخل بها ولا رجل زرع زرعا لم يحصده [ 3 ] » . والرابع - ما يلزم المجاهدين معه من حقوق الجهاد . وهو ضربان : أحدهما ما يلزمهم في حق اللَّه تعالى ؛ والثاني ما يلزمهم في حق الأمير عليهم . فأما اللازم لهم في حق اللَّه تعالى فأربعة أشياء . أحدها : مصابرة العدوّ عند التقاء الجمعين بألَّا ينهزم عنه من مثليه فما دون ذلك . وقد كان اللَّه عز وجل فرض في أوّل الإسلام على كل مسلم أن يقاتل عشرة من المشركين ، فقال تعالى : * ( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) * . ثم خفّف اللَّه عنهم عند قوّة الإسلام وكثرة أهله فأوجب على كل مسلم لاقى العدوّ أن يقاتل رجلين منهم ، فقال تعالى : * ( الآنَ خَفَّفَ الله عَنْكُمْ وعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ الله والله مَعَ الصَّابِرِينَ ) * فحرّم على كل مسلم أن ينهزم من مثليه إلا لإحدى حالتين : إما أن يتحرّف لقتال فيولَّى لاستراحة أو لمكيدة ويعود إلى قتالهم ؛ وإما أن يتحيّز إلى فئة أخرى يجتمع معها على قتالهم . قال اللَّه تعالى :

--> [ 1 ] الغلول : الخيانة في المغنم . [ 2 ] كذا بالأصل ، ويظهر أن سياق الكلام يقتضى « فيصرفه » بالفاء . [ 3 ] كذا في الأحكام السلطانية ، وفى الأصل : « ولا رجل زرع زرعا ليحصده » .