النويري

148

نهاية الأرب في فنون الأدب

وأما الآداب في محادثة السلطان - فقد قالوا : من حق الملك إذا حضر سمّاره ومحدّثوه ألَّا يبتدئه أحد حديثا . فإن بدأ هو بالحديث صرف من حضره ذهنه وفكره نحوه . فإن كان يعرف الحديث الذي حدّث به الملك استمعه استماع من لم يدره [ 1 ] ولم يعرفه ، وأظهر السرور بفائدة الملك والاستبشار بحديثه ؛ فإن في ذلك أمرين : أحدهما ما يظهر من حسن أدبه . والآخر أن يعطى الملك حقه بحسن الاستماع . وإن كان لم يعرفه فالنفس إلى فوائد الملوك والحديث عنهم أتوق [ 2 ] منها إلى فوائد السّوقة ومن أشبهها . وقد كان روح بن زنباع يقول : إذا أردت أن يمكنك الملك من أذنه فأمكن أذنك من الإصغاء إليه إذا حدّث . وكان أسماء بن خارجة يقول : ما غلبني أحد قطَّ غلبة رجل يصغى إلى حديثي . ومن حق الملك إذا قرّب إنسانا أو أنس به حتى يهازله ويضاحكه ، ثم دخل عليه ، أن يدخل دخول من لم يجر بينهما أنس قط ، وأن يظهر من الإجلال والتعظيم أكثر مما كان عليه ؛ فإن أخلاق الملوك ليست على نظام . ومجالستهم ومحادثتهم تحتاج إلى سياسة وتحفّظ من [ 3 ] وضع الحديث والمثل والشعر في موضعه . وإذا حدّث الملك بحديث وفرغ منه فنظر إلى بعض جلسائه ، فقد أذن له أن يحدّثه بنظير ذلك الجنس من الحديث ، وليس له أن يأخذ في غير جنس حديثه . فإذا فرغ من ذلك الحديث فليس له أن يصله بحديث آخر وإن كان شبيها للحديث الأوّل . فإن رأى الملك قد

--> [ 1 ] الذي في التاج ( طبعة المطبعة الأميرية ص 53 ) : « استماع من لم يدر في حاسة سمعه قط ولم يعرفه » . [ 2 ] في « التاج » : « أقرم وأشهى منها . . . » . [ 3 ] من وضع الحديث . . . الخ : « من » بيانية ، وليست متعلقة ب « تحفظ » فان ذلك يؤدى إلى خطأ في المعنى .