النويري
149
نهاية الأرب في فنون الأدب
أقبل عليه بوجهه وأصغى إلى حديثه فليمض فيه حتى يكمله ويأتي على آخره . وليس له - إن قطع الملك استماع حديثه بشغل يعرض له - أن يمرّ على كلامه ، ولكن ينصت مطرقا . فإن اتصل شغل الملك ، ترك الحديث . فإن فرغ ونظر إليه ، فقد أذن له في إتمامه وإعادته ، وإلَّا فلا . ومن حق الملك ألَّا يضحك بحضرته ، لأن الضحك جرأة عليه ؛ وألَّا يعاد عليه الحديث مرتين وإن طال بينهما الدهر ، إلا أن يذكره الملك ، فإن ذكره فقد أذن له في إعادته . وكان روح بن زنباع يقول : أقمت مع عبد الملك بن مروان سبع عشرة سنة من أيامه ما أعدت عليه حديثا . وكان الشّعبىّ يقول : ما حدّثت بحديث مرتين لرجل بعينه قط . وكان أبو العبّاس السفّاح يقول : ما رأيت رجلا أغزر علما من أبى بكر الهذلىّ لم يعد علىّ حديثا قط . وكان أبو بكر الهذلىّ يقول : حدّثت المنصور بأكثر من عشرة آلاف حديث ، فقال لي ليلة - وقد حدّثته عن يوم ذي قار وقد اضطررت إلى التكرار - : أتعيد الحديث ؟ فقلت : ما هذا مما مر يا أمير المؤمنين ؛ فقال : أما تذكر ليلة الرعد والأمطار وأنت تحدّث بحديث يوم ذي قار فقلت لك : ما يوم ذي قار بأصعب من هذه الليلة ؟ ومن حق المحادثة وواجب المؤانسة ترك المراء ؛ هذا مع الأكفاء فكيف مع الملوك والرؤساء ! وقالوا : المماراة تفسد الصداقة القديمة ، وتحلّ العقدة الوثيقة وتكسب الإحنة والبغضاء . وقال الصاحب بن عبّاد : للمحدّث على السامع ثلاث : كتمان السر ، وإصغاء الذهن ، وترك التحفّظ . هذا ما يلزم نديم الملك . وأما مؤاكله ، فقد اصطلح الناس على إجلال رؤسائهم وملوكهم عن غسل أيديهم بحضورهم ، واستجازوا ذلك مع نظرائهم ومن يسقط التحفّظ بينهم وبينهم .