النويري

147

نهاية الأرب في فنون الأدب

أخلاقهم ، راوية للنادر من الشعر والمثل السائر ، متصرّفا في كل فنّ ، قد أخذ من الخير والشر بنصيب ؛ فإن مالت شهوة الملك إلى ضرب ما وجد عنده منه علما . ويلزمه أيضا أن يحضر في الزىّ الظاهر الذي يعرف به ، ويشهد فيه المجالس الحافلة من غير أن يتشهر [ 1 ] . فإن شاء الملك أن يغيّر حاله وزيّه ويكرمه بشئ من ثيابه ، حسن أن يلبس ذلك من وقته حتى ينقضى المجلس ، ولم يحسن أن يجلس فيه ظاهرا في مجلس ثان ؛ لأنه شئ اختاره الملك في ساعة بعينها لا في كل أوقاته . وأما العمامة والخفّ فلا يخلو منهما . والغرض من ذلك إجلال السلطان عن مشاركته فيما اتسع له من التبدّل والتخيّر في الزىّ الذي لا ثقل عليه منه ، والانفراد به عمن هو دونه . وهذه كانت عادة ملوك الأعاجم ؛ لأنهم رسموا لكل طبقة من طبقات أهل مملكتهم برسم من الزىّ ليتميزوا به ، ولا يتشبه سوقة بملك ، ولا مشروف بذى الشرف ، ولا تابع برئيس [ 2 ] . ومما يجب أن يأخذ به نفسه الإسراع في الخطو إذا كان بحيث يراه الملك ، ليكون مشيه إرقالا ولا يكون اختيالا . ومما يلزمه أن يتحفّظ منه ويروض به نفسه ألَّا يصبّحه ولا يمسّيه ولا يشمّته ولا يستخبره . وإنما ترك ذلك كله لما فيه من تكلَّف الجواب . وأوّل من سنّ ذلك وحمل الناس عليه الفضل بن الربيع .

--> [ 1 ] يتشهر : من الشهرة وهى ظهور لشئ في شنعة . ولم نجد هذا الفعل الذي ورد بالأصل في كتب اللغة التي بين أيدينا ، فلعله تحريف عن « يشتهر » أو « يشهر » . [ 2 ] الذي في الأصل : « ولا يتشبه سوقة بملك ولا مشروف بذى الشرف ولا تابع بدنىء الشرف ولا تابع برئيس » والذي ظهر لنا أن « ولا تابع بدنىء الشرف » زيادة وقعت سهوا من الناسخ .