النويري

108

نهاية الأرب في فنون الأدب

وأما الحذر من السلطان ، فهو وثّاب بقدرته ، متحكَّم بسطوته ، يميل به الهوى فيقطع بالظنّ ويؤاخذ بالارتياب ؛ فالثقة به عجز ، والاسترسال معه خطر . والحذر منه في حالتي السّخط والرضا أسلم ؛ لأنّه يستذنب إذا ملّ حتى يصير المحسن عنده كالمسىء . فليستخلص [ 1 ] رأيه بالنصح ، ويستدفع تنكَّره بالحذر . وقال بعض الحكماء : اصحب السلطان بثلاث : الحذر ، ورفض الدولة ، والاجتهاد في النصح . والحذر منه يكون بثلاثة أمور : أحدها ألَّا يعوّل على الثقة به في الإدلال والاسترسال ، فما جرّت الثقة إلا ندما . وقد قيل : الخرق الدالَّة على السلطان ، والوثبة قبل الإمكان . [ فاقبض نفسك إذا قدّمك ، وتواضع له إذا عظَّمك ، واحتشمه [ 2 ] إذا آنسك ، ولن له إذا خاشنك ، واصبر على تجنّيه [ إذا غالظك [ 3 ] ] ؛ فهو على التّجنى أقدر ، فكن على احتماله أصبر ؛ فربّما كانت مجاملته لك مكرا ، وتجنّيه عليك غدرا [ 4 ] ] . فقد قيل في بعض الصحف الأولى : حبّ الملك وهواه يشبه الطَّلّ على العشب . فلا تجعل له في إظهار تنكَّره عذرا ؛ فربما اعترف بالحق فوفّى ، ورقّ بالصبر فكفّ . وقد قيل في أمثال كليلة ودمنة : صاحب السلطان كراكب الأسد يخافه الناس وهو لمركوبه أشدّ خوفا . والثاني من حذره منه أن يساعده على مطالبه ، ويوافقه على محابّه [ ومآربه [ 5 ] ] ، ولا يصدّه عن غرض إذا لم يقدح في دين ولا عرض ، ولا يتوقّف عن إجابته

--> [ 1 ] في الأصل : « فيستخلص . . . » والسياق يقتضى الأمر كما في « قوانين الوزارة » . [ 2 ] ورد في الأساس : « أنا أحتشمك منك أي أستحيى » وفى اللسان وشرح القاموس أحتشم منه وعنه ولا يقال : احتشمه . فعبارة الأصل هاهنا صحيحة على ما في الأساس . [ 3 ] زيادة عن « قوانين الوزارة » . [ 4 ] - هذه الجملة التي بين القوسين المربعين نقلها صاحب الأصل عن قوانين الوزارة من غير تغيير في الضمائر ، وعادته في النقل عنه أن يغير الضمير من الخطاب إلى الغيبة ، لأن قوانين الوزارة يوجه الكلام لمخاطب ، والأصل هنا يوجهه لغائب ، كما هو واضح . [ 5 ] زيادة عن « قوانين الوزارة » .