النويري
107
نهاية الأرب في فنون الأدب
ثم هو بعد حذره مستسلم لقضاء لا يردّ ؛ وقدر لا يصدّ . وقد روى عن أبي الدّرداء رضى اللَّه عنه عن رسول اللَّه عليه وسلم أنه قال : « احذروا الدنيا فإنّها أسحر من هاروت وماروت » . وقيل لبعض الحكماء : من السعيد ؟ قال : من اعتبر بأمسه ، واستظهر لنفسه . قال بعض الشعراء : وحذرت من أمر فمرّ بجانبي لم يبكنى ولقيت ما لم أحذر وللحذر حدّ يقف عنده إن زاد [ عليه [ 1 ] ] صار خورا ، كما أن للإقدام حدّا إن زاد عليه صار تهوّرا . والزيادة على الحدود ، نقص في المحدود . ولهما زمان إن خرجا عنه صار الحذر فشلا ، والإقدام خرقا . وعيارهما معتبر بحزم العاقل ويقظة الفطن . قال بعض الحكماء : ليعرفك السلطان عند افتتاح التدبير بالحذر ، وعند وقوع الأمر بالجدّ . والحذر يلزم من أربعة أوجه : أحدها الحذر من اللَّه تعالى فيما فرض . والثاني [ الحذر [ 2 ] ] من السلطان فيما فوّض . والثالث الحذر من الزمان فيما اعترض . والرابع الحذر من [ غلبة [ 3 ] ] الأعداء ومكر الدّهاة . فأما الحذر من اللَّه تعالى - فهو عماد الدّين الباعث على الطاعة . والحذر منه هو الوقوف عند أوامره ، والانتهاء عن زواجره ؛ فيعمل بطاعته فيما أمر ، وينتهى عن معصيته فيما حظر . فلن يرى قليل الحذر إلا متجوّزا في دينه طائحا في غلوائه ، لا يرى رشدا في العاجل ، وهو على وعيد في الآجل ؛ مع نفور النفوس منه وسراية الذّم فيه . وقد قيل في بعض الصحف الأولى : العزّة والقوّة يعظمان القلب ، وأفضل منهما خوف اللَّه تعالى ؛ لأن من لزم خشية اللَّه لم يخف الوضيعة ولم يحتج إلى ناصر . وقال علىّ رضى اللَّه عنه : من حاول أمرا بمعصية اللَّه كان أبعد لما رجا ، وأقرب لمجىء ما اتّقى .
--> [ 1 ] زيادة عن « قوانين الوزارة » . [ 2 ] زيادة عن « قوانين الوزارة » . [ 3 ] زيادة عن « قوانين الوزارة » .