النويري
106
نهاية الأرب في فنون الأدب
الكفّ عنهم ويقطعهم العسف بهم . وأما الإقدام على دفع المضارّ فضربان : أحدهما . دفع ما اختلّ من الملك . وله سببان : إهمال أو عجز . والثاني دفع ما نقص من الموادّ . وله سببان : نفور أو جور . فيحتاج الوزير أن يدفع ضرر كلّ واحد منهما بالضدّ [ من سببه ، فإن علاج كل داء بضده [ 1 ] ] من الدواء . فإن كان اختلال الملك من الإهمال أيقظ له عزمه ، وإن كان من العجز استعمل فيه حزمه . وإن كان نقص الموادّ من النفور استنجد فيه رهبته ، وإن كان من الجور أظهر فيه معدلته . فإن كان حدوث ذلك في الملك صدر عن الوزير كان مؤاخذا بتفريطه في الابتداء ، ومستدركا لتقصيره في الانتهاء ؛ فيجبر إساءته بإحسانه ، ويمحو قبيحة بجميله . وإن كان حدوثه من غيره كانت جريرة الإساءة على من أحدثه ، وكان حمد الإحسان للوزير . وأما الشرط الرابع من شروط وزارة التفويض وهو الحذر - فيتعيّن على الوزير أن يكون حذرا ، لأنّ الدهر ثائر بطوارقه ، ومنافر بنوائبه ، يغدر إن وفى ، ويفتك إن هفا . قال عبد الحميد : أصاب الدنيا من حذرها ، وأصابت الدنيا من أمنها . وقال عبد الملك بن مروان : احذروا الجديدين ، فللأقدار أوقات تغضى عنها الأبصار . فإذا صادفت طوارق الدهر غرّا مسترسلا صار هدفا لسهامه الصوائب ، وغرضا لمنافرة الحوادث والنوائب . وقد قال بعض الحكماء : من أعرض عن الحذر والاحتراس ، وبنى أمره على غير أساس ، زال عنه العزّ واستولى عليه العجز ؛ وإن قدّم لطوارقه حذر المتيقّظ ، وتلقّاها بعدّة المتحفّظ ، ردّ بادرتها بعزم ذي حزم قد حلب أشطر دهره ، وقام بواضح عذره . قال بعض الشعراء : إنّ للدهر صولة فاحذرنها لا تبيتنّ قد أمنت الدّهورا
--> [ 1 ] التكملة عن « قوانين الوزارة » .