النويري
105
نهاية الأرب في فنون الأدب
والثالث أن يحوطهم بكفّ الأذى عنهم ، ومنع الأيدي الغالبة منهم ؛ ليكون لهم كالأب الرؤف ويكونوا له كالأولاد البررة ؛ فإنّه كافل مسترعى ومسئول مؤاخذ . وللَّه عليه فيهم حقّ ، وللسلطان عليه فيهم [ 1 ] تبعة . فليغتنم الوزير بهم شكر إحسانه ، ويجمّل بعدله فيهم آثار سلطانه . وأما الشرط الثالث من شروط وزارة التفويض وهو الإقدام ، فهو في السياسة أوفى شطريها [ 2 ] ، وفى الوزارة أكفى [ 3 ] نظريها ؛ لظفر الإقدام ، وخيبة الإحجام . وقد قيل في منثور الحكم : بالإقدام تثبت الأقدام . وإنما يجب الإقدام إذا ظهرت أسبابه ، وقصدت أبوابه . قال الشاعر : إذا ما أتيت الأمر من غير بابه ضللت وإن تقصد إلى الباب تهتدى ثم يجمع بعدهما بين حزمه وعزمه . فالحزم تدبير الأمور بموجب الرأي ، والعزم تنفيذها للوقت المقدّر لها . فإذا تكاملت شروط الإقدام من هذه الوجوه الأربعة - وهى : ظهور أسبابه ، وقصد أبوابه ، والحزم ، والعزم - لم يمنع من الظَّفر ، إلا عوائق القدر . والإقدام ينقسم إلى قسمين : أحدهما الإقدام على اجتلاب المنافع ، والثاني على دفع المضارّ . فأما الإقدام على اجتلاب المنافع فضربان : أحدهما استضافة ملك ، والثاني استزادة موادّ . فأما استضافة الملك فتكون بالحزم والعزم إذا اقترنا برغبة أو رهبة . ولأن تكون بالاغتيال والاحتيال ، أولى من أن تكون بالقتال . وأما استزادة الموادّ فتكون بالعدل والإحسان إذا اقترنا برفق ومياسرة لتكثر بهما العمارة وتتوفّر بهما الزراعة ؛ فإنّ الأرض كنوز الملك يستخرجها أعوان متطوّعون يقنعهم
--> [ 1 ] كذا في قوانين الوزارة ، وفى الأصل « منهم تبعة » . [ 2 ] في قوانين الوزارة : « أو في شرطها » . [ 3 ] كذا في قوانين الوزارة ، وفى الأصل « أو في نظريها » .