النويري

4

نهاية الأرب في فنون الأدب

وكان لإسحاق مع إبراهيم بن المهدىّ مخاطبات ومنازعات ومحاورات بسبب الغناء ، وكان الرشيد ينصر إسحاق على إبراهيم أخيه . من ذلك ما حكاه إسحاق قال : كنت عند الرشيد يوما ، وعنده ندماؤه وخاصّته وفيهم إبراهيم بن المهدىّ ؛ فقال لي الرشيد : غنّ : شربت مدامة وسقيت أخرى وراح المنتشون وما انتشيت فغنيته . فأقبل علىّ إبراهيم بن المهدىّ فقال لي : ما أصبت يا إسحاق ولا أحسنت . فقلت له : ليس هذا مما تعرفه ولا تحسنه ، وإن شئت فغنّه فإن لم أجدك أنك تخطئ فيه منذ ابتدائك إلى انتهائك فدمى حلال . ثم أقبلت على الرشيد فقلت : يا أمير المؤمنين ، هذه صناعتي وصناعة أبى ، وهى التي قرّبتنا منك واستخدمتنا لك فأوطاتنا بساطك ، فإذا نازعنا أحد بغير علم لم نجد بدّا من الإفصاح والذبّ ؛ فقال : لا غرو ولا لوم عليك . وقام الرشيد ليبول ؛ فأقبل إبراهيم بن المهدىّ علىّ وقال : ويحك يا إسحاق ! أتجترئ علىّ وتقول لي ما قلت يا ابن الفاعلة ! لا يكنى . فداخلنى ما لم أملك نفسي معه ، فقلت له : أنت تشتمني ولا أقدر على إجابتك وأنت ابن الخليفة وأخو الخليفة ، ولولا ذلك لقلت لك : يا ابن الزانية كما قلت لي يا ابن الزانية . أو تراني كنت لا أحسن أن أقول : يا ابن الزانية ! ولكن قولي في ذمّك ينصرف كله إلى خالك الأعلم [ 1 ] ، ولو لاك لذكرت صناعته ومذهبه - قال إسحاق : وكان بيطارا - قال : ثم سكتّ ، وعلمت أن إبراهيم سوف يشكوني إلى الرشيد ، وسوف يسأل من حضر عما جرى فيخبرونه ، فتلافيت ذلك بأن قلت : إنك تظن أن الخلافة [ 2 ] تصير إليك ، فلا تزال تتهدّدنى بذلك وتعادينى كما تعادى سائر أولياء أخيك حسدا

--> [ 1 ] الأعلم : الذي بشفته العليا أو في جانبيها شق . [ 2 ] كذا في الأغانى . وفى الأصل : « أن الخلافة لك . . . »