النويري

5

نهاية الأرب في فنون الأدب

له ولولده على الأمر ! وأنت تضعف عنه وعنهم ، وتستخفّ بأوليائهم شفّيا ، وأرجو ألا يخرجها اللَّه من الرشيد وولده ، وأن يقتلك دونها . فإن صارت إليك - والعياذ باللَّه تعالى من ذلك - فحرام علىّ حينئذ العيش ! والموت أطيب من الحياة معك ، فاصنع حينئذ ما بدالك ! قال : فلما خرج الرشيد وثب إبراهيم فجلس بين يديه وقال : يا أمير المؤمنين ، شتمني إسحاق وذكر أمّى واستخفّ بي . فغضب وقال لي : ويلك ! ما تقول ؟ قلت : لا أعلم ، فسل من حضر . فأقبل على مسرور وحسين فسألهما عن القصة فجعلا يخبرانه ووجهه يربدّ إلى أن انتهيا إلى ذكر الخلافة فسّرى عنه ورجع لونه ، وقال لإبراهيم : لا ذنب له ، شتمته فعرّفك أنه لا يقدر على جوابك ، ارجع إلى موضعك وأمسك عن هذا . فلما انفضّ المجلس وانصرف الناس أمر الرشيد بألَّا أبرح . وخرج كل من حضر حتى لم يبق غيرى ، فساء ظنّى وهمّتنى نفسي . فأقبل علىّ وقال : يا إسحاق ، أتراني لم أفهم قولك ومرادك ! قد واللَّه زنّيته ثلاث مرات ! أتراني لا أعرف وقائعك وأقدامك وأين ذهبت ! ويلك لا تعد ! حدّثنى عنك لو ضربك إبراهيم أكنت أقتصّ لك منه فأضربه وهو أخي يا جاهل ! أتراه لو أمر غلمانه فقتلوك أكنت أقتله بك ! فقلت : واللَّه يا أمير المؤمنين ، قد قتلني هذا الكلام ، وإن بلغه ليقتلنّى ، وما أشك أنه قد بلغه الآن . فصاح بمسرور وقال له : علىّ بإبراهيم فأحضر ، وقال لي : قم فانصرف . فقلت لجماعة من الحدم - وكلهم كان لي محبّا وإلىّ مائلا ولى مطيعا - : أخبروني بما يجرى ؛ فأخبروني من غد أنه لمّا دخل عليه وبّخه وجهّله وقال له : أتستحفّ بخادمى وصنيعتى وابن خادمي وصنيعتى وصنيعة أبى في مجلسي ! وتقدم علىّ وتستخفّ بمجلسي وحضرتى ! هاه هاه هاه ! وتقدم على هذا وأمثاله ! وأنت مالك وللغناء ! وما يدريك ما هو ! ومن أخذك به وطارحك إياه حتى تتوهّم أنك تبلغ منه مبلغ إسحاق الذي غذّى به وعلَّمه وهو من صناعته ! ثم تظن أنك