النويري

43

نهاية الأرب في فنون الأدب

أمن صهباء صافية المزاج كأنّ شعاعها لهب السّراج وقد طبخت بنار اللَّه حتى لقد صارت من النّطف النّضاج تهشّ لها القلوب وتشتهيها إذا برزت ترقرق في الزّجاج أقاد إلى السجون بغير جرم كأني بعض عمّال الخراج ! فلو معهم حبست لكان سهلا ولكني حبست مع الدجاج وقد كانت تخبّرنى ذنوبي بأنى من عقابك غير ناج على أنّى وإن لاقيت شرّا لخيرك بعد ذاك الشرّ راجى فاستدعاه المنصور وقال : أين حبست يا أبا دلامة ؟ قال : مع الدّجاج . قال : فما كنت تصنع ؟ قال : أقوقىء « 1 » معهم إلى الصباح ؛ فضحك وخلَّى سبيله وأمر له بجائزة . فلما خرج قال الربيع : إنه شرب الخمر يا أمير المؤمنين ، أما سمعت قوله : وقد طبخت بنار اللَّه ؟ ( يعنى الشمس ) قال : لا واللَّه ، ما عنيت إلا نار اللَّه الموقدة التي تطَّلع على فؤاد الربيع . فضحك المنصور وقال : خذها يا ربيع ولا تعاود التعرّض له . وروى عن المدائنىّ قال : دخل أبو دلامة على المهدىّ وعنده إسماعيل بن علي وعيسى بن موسى والعبّاس بن محمد بن إبراهيم الإمام وجماعة من بني هاشم ؛ فقال له المهدىّ : أنا أعطى اللَّه عهدا إن لم تهج واحدا ممن في البيت ، لأقطعنّ لسانك أو لأضربنّ عنقك . فنظر اليه القوم ، وكلما نظر إلى أحد منهم غمزه بأنّ علىّ رضاك . قال أبو دلامة : فعلمت أنى قد وقعت وأنها عزمة من عزماته لا بدّ منها ، فلم أر أحدا أحقّ بالهجاء منّى ولا أدعى إلى السلامة من هجاء نفسي ، فقلت : ألا أبلغ لديك أبا دلامة فلست من الكرام ولا كرامه

--> « 1 » أقوقى : أصبح .