النويري

41

نهاية الأرب في فنون الأدب

فقال : دع هذا عنك ، وبرز رجل من الخوارج يدعو إلى المبارزة فقال : اخرج اليه يا أبا دلامة . فقال : أنشدك اللَّه أيها الأمير في دمى . فقال : واللَّه لتخرجنّ ! فقلت : أيها الأمير ، فإنه أوّل يوم من الآخرة وآخر يوم من الدنيا ، وأنا واللَّه جائع ما تنبعث منى جارحة من الجوع ، فمر لي بشئ آكله ثم أخرج ؛ فأمر لي برغيفين ودجاجة ؛ فأخذت ذلك وبرزت عن الصفّ . فلما رآني الشارى أقبل نحوى وعليه فرو قد أصابه المطر فابتلّ ، وأصابته الشمس فاقفعلّ « 1 » وعيناه تقدان ، فأسرع إلىّ ؛ فقلت : على رسلك يا هذا ! فوقف ؛ فقلت : أتقتل من لا يقاتلك ؟ قال لا . قلت : أنستحلّ أن تقتل رجلا على دينك ؟ قال لا . قلت : أفتستحلّ ذلك قبل أن تدعو من تقاتله إلى دينك ؟ قال : لا ، فاذهب عنى إلى لعنة اللَّه ، فقلت : لا أفعل أو تسمع منى . قال : قل . فقلت : هل كانت بيننا عداوة أو ترة أو تعرفني بحال تحفظك علىّ أو تعلم بيني وبين أهلك وترا ؟ قال : لا واللَّه ؛ قلت : ولا أنا واللَّه لك إلا على جميل [ الرأي « 2 » ] ، فإني لأهواك وأنتحل مذهبك وأدين دينك وأريد السوء لمن أرادك . فقال : يا هذا ، جزاك اللَّه خيرا فانصرف . قلت : إنّ معي زادا أريد أن آكله وأريد مؤاكلتك لتتوكَّد المودّة بيننا ويرى أهل العسكرين هوانهم علينا ؛ قال : فافعل . فتقدّمت اليه حتى اختلفت أعناق دوابّنا وجمعنا أرجلنا على معارفها وجعلنا نأكل والناس قد غلبوا ضحكا . فلما استوفينا ودّعنى ، ثم قلت له : إنّ هذا الجاهل ، إن أقمت على طلب المبارزة ندبنى إليك فتتعب وتتعبنى ، فإن رأيت ألَّا تبرز اليوم فافعل . قال : قد فعلت ؛ فانصرف وانصرفت . فقلت لروح : أمّا أنا فقد كفيتك قرني ، فقل لغيرى يكفيك قرنه كما كفيتك . وخرج آخر يدعو إلى البراز ؛ فقال لي : اخرج اليه ، فقلت :

--> « 1 » اقفعل : تقبض . « 2 » زيادة عن الأغانى .