النويري

36

نهاية الأرب في فنون الأدب

يقول لابنته : يا بنية ، إذا أنا مت فلا تندبينى ، والناس يسمعونك ، وتقولين : وا أبتاه ، أندبك للصوم والصلاة ، للفقه والقرآن ، فيكذّب الناس ويلعنوننى . ثم التفت فرأى المرأة ، فغطَّى وجهه بكمه وقال لها : يا فلانة ، باللَّه إن كنت استحسنت شيئا مما أنا فيه ، فصلى على النبىّ صلَّى اللَّه عليه وسلم ولا تهلكينى ؛ فغضبت المرأة وقالت : سخنت عينك ! وفي أي شئ أنت مما يستحسن ؟ أنت في آخر رمق ! قال : قد علمت ، ولكن قلت لئلا « 1 » تكوني قد استحسنت خفة الموت علىّ وسهولة النزع ، فيشتدّ ما أنا فيه . فخرجت من عنده وهى تسبّه ، وضحك من كان حوله من كلامه ومات . ذكر شئ من نوادر أبى دلامة هو أبو دلامة زند بن الجون . وزند بالنون . وهو كوفىّ ، أسود ، مولى لبنى أسد ؛ كان أبوه عبدا لرجل منهم يقال له قصاقص ، فأعتقه . وأدرك آخر زمن بنى أمية ولم يكن له نباهة في أيامهم ، ونبغ في أيام بنى العباس ، فانقطع إلى أبى العباس السفّاح وأبى جعفر المنصور والمهدىّ ، وكانوا يقدّمونه ويفضّلونه ويستطيبون مجالسته ونوادره . قال أبو الفرج الأصفهانىّ : كان أبو دلامة ردئ المذهب ، مرتكبا للمحارم ، مضيّعا للفروض ، متجاهرا بذلك ؛ وكان يعلم هذا منه ويعرف به ، فيتجافى عنه للطف محلَّه . وله أخبار وأشعار ليس هذا موضع ذكرها ، وإنما نثبت في هذا الموضع ما له من نادرة أو حكاية مستظرفة . فمن ذلك أنه دخل على أبى جعفر المنصور ، وكان المنصور قد أمر أصحابه بلبس السواد والقلانس الطوال ، تدعم « 2 » بعيدان من

--> « 1 » كذا في الأغانى . وفي الأصول : « ولكن قد لا تكونين » وهو تحريف . « 2 » كذا في الأغانى ( ج 9 ص 1 طبع بولاق ) . وفي الأصول : « وتدعم » .