النويري

37

نهاية الأرب في فنون الأدب

داخلها ، وأن يعلَّقوا السيوف في المناطق ، ويكتبوا على ظهورهم : * ( ( فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله وهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) ) * . فلما دخل عليه أبو دلامة في هذا الزىّ قال له المنصور : ما حالك ؟ قال : شرّ حال يا أمير المؤمنين ، وجهي في نصفى ، وسيفي في استى ، وقد صبغت بالسواد ثيابي ونبذت كتاب اللَّه وراء ظهري ؛ ثم أنشد : وكنا نرجى منحة من إمامنا فجاءت بطول زاده في القلانس تراها على هام الرجال كأنها دنان « 1 » يهود جلَّلت بالبرانس فضحك منه المنصور وأعفاه وحذّره من ذلك ، وقال : إياك أن يسمع هذا منك أحد . وحكى عنه : أنه كان واقفا بين يدي السفاح أو المنصور ، فقال له : سلني حاجتك ؛ فقال أبو دلامة : كلب صيد ؛ قال : أعطوه إياه . قال : ودابّة أتصيّد عليها . قال : أعطوه . قال : وغلام يقود الكلب ويتصيّد به ؛ قال : أعطوه غلاما . قال : وجارية تصلح لنا الصيد وتطعمنا منه ؛ قال : أعطوه جارية . قال : هؤلاء يا أمير المؤمنين عيال « 2 » فلا بدّ لهم من دار يسكنونها ؛ قال : أعطوه دارا تجمعهم . قال : فإن لم يكن ضيعة فمن أين يعيشون ؟ قال : قد أقطعتك مائة جريب « 3 » عامرة ومائة جريب غامرة . قال : وما الغامرة ؟ قال : مالا نبات فيه . قال : قد أقطعتك يا أمير المؤمنين خمسمائة ألف جريب غامرة من فيافى بنى أسد . فضحك وقال : اجعلوا المائتين كلها عامرة . قال : فأذن لي أن أقبّل يدك ؛ قال : أمّا هذه فدعها ، فإني لا أفعل . قال : واللَّه ما منعت عيالي شيئا أقلّ عليهم ضررا منها .

--> « 1 » كذا في الأغانى . وفي الأصول : « ديار » وهو تحريف . « 2 » في الأغانى : « عبيدك » . « 3 » الجريب : مقدار معين من مساحة الأرض .