النويري

33

نهاية الأرب في فنون الأدب

فقلت للرسول : خذني فيهم ؛ قال : لم أؤمر بك ، إنما أمرت بإحضار المغنيين ، وأنت بطَّال لا تدخل في جملتهم . فقلت له : أنا واللَّه أحسن غناء منهم ؛ ثم اندفعت فغنّيت . فقال : لقد سمعت حسنا ، ولكن أخاف . قلت : لا خوف عليك ؛ ولك مع ذلك شرط . قال : وما هو ؟ قلت : كل ما أصبت فلك شطره ؛ فأشهد علىّ الجماعة ، ومضينا حتى دخلنا على الوليد ، وهو لقس النفس ؛ فغنّاه المغنّون في كل فنّ فلم يتحرّك ولم ينشط . فقام الأبجر إلى الخلاء ، وكان خبيثا داهيا ، فسأل الخادم عن خبره ؛ فقال : بينه وبين امرأته شرّ ، لأنه عشق أختها فغضبت عليه ، وهو إلى أختها أميل ، وقد عزم على طلاقها ، وحلف ألَّا يذكرها أبدا بمراسلة أو مخاطبة ، فخرج على هذه الحال من عندها . فعاد الأبجر الينا ، وجلس ثم اندفع يغنّى : فبينى فإني لا أبالي وأيقنى أصعّد باقي حبّكم أم تصوّبا ألم تعلمي أنى عزوف عن الهوى إذا صاحبي من غير شئ تغضّبا فطرب الوليد وارتاح ، وقال للأبجر : أصبت واللَّه يا عبيد ما في نفسي ، وأمر له بعشرة آلاف درهم وشرب حتى سكر ، ولم يحظ أحد بشئ سوى الأبجر . فلما أيقنت بانقضاء المجلس وثبت فقلت : إن رأى أمير المؤمنين أن يأمر من يضر بنى مائة سوط الساعة بحضرتك ! فضحك ، ثم قال : قبّحك اللَّه ! وما السبب في ذلك ؟ فأخبرته بقصّتى مع الرسول ، وقلت له : إنه بدأني بالمكروه في أوّل يومه فاتصل « 1 » علىّ إلى آخره ، فأريد أن أضرب مائة سوط ويضرب بعدى مثلها . فقال : لقد لطَّفت ، بل أعطوه مائة دينار ، وأعطوا الرسول خمسين دينارا من مالنا عوض الخمسين التي أراد أخذها من أشعب ، فقبضتها وانصرفت .

--> « 1 » في الأغانى : « بما اتصل » .