النويري
22
نهاية الأرب في فنون الأدب
فاعلم أن المرأة إلى رجلين أحوج من الرجل إلى امرأتين . فنقض عمته وترك ما كان قد همّ به . ذكر شئ من نوادر العميان قال إبراهيم بن سيابة لبشّار الأعمى : ما سلب اللَّه من مؤمن كريمتيه إلا عوّضه عنهما : إمّا الحفظ والذكاء ، وإمّا حسن الصوت . فما الذي عوّضك اللَّه عن عينيك ؟ قال : فقد « 1 » النظر لبغيض ثقيل مثلك ! ونظير هذه الحكاية ما حكى عن بعضهم ، قال : خرجت ليلة من قرية لبعض شأني ، فإذا أنا بأعمى على عاتقه جرّة وبيده سراج ، فلم يزل حتى انتهى إلى النهر ، وملأ جرّته وعاد . قال : فقلت له : يا هذا ، أنت أعمى ، والليل والنهار عندك سواه ، فما تصنع بالسراج ؟ قال : يا كثير الفضول ، حملته لأعمى القلب مثلك ، يستضىء به لئلا يعثر في الظلمة ، فيقع علىّ ويكسر جرّتى . قالوا : بلغ أبا العيناء « 2 » أنّ المتوكل يقول : لولا عمى أبى العيناء لاستكثرت منه ؛ فقال : قولوا لأمير المؤمنين : إن كان يريدنى لرؤية الأهلَّة ونظم اللآلىء واليواقيت وقراءة نقوش الخواتيم ، فأنا لا أصلح لذلك ؛ وإن كان يريدنى للمحاضرة والمنادمة والمذاكرة والمسامرة ، فناهيك بي ، فانتهى ذلك إلى المتوكل فضحك منه ، وأمر بإحضاره ، فحضر ونادمه . تزوّج بعض العميان بسوداء ؛ فقالت له : لو نظرت إلى حسنى وجمالى وبياضي لازددت فيّ حبّا . فقال لها : لو كنت كما تقولين ما تركك لي البصراء .
--> « 1 » في إحدى النسخ : « الراحة من النظر » . « 2 » في الأصول : « أبا العتاهية » والتصويب عن وفيات الأعيان لابن خلكان ( ج 1 ص 720 طبع بولاق ) .