النويري
18
نهاية الأرب في فنون الأدب
فضرب مثلا لمن قصّر في طلب الأمر . وقولهم : « إن الشّقىّ وافد البراجم » قاله عمرو بن هند الملك . وذلك أن سويد بن ربيعة التميمىّ قتل أخاه سعد بن هند وهرب فنذر عمرو ليقتلن بأخيه مائة من بنى تميم ، فسار إليهم بجمعه فلقيهم الخبر فتفرّقوا في نواحي بلادهم فلم يجد إلا عجوزا كبيرة وهى حمراء بنت ضمرة ، فلما نظر إليها قال : إني لأحسبك أعجمية ، قالت : لا والذي أسأله أن يخفض جناحك ، ويهدّ عمادك ، ويضع وسادك ، ويسلبك بلادك ، ما أنا بأعجمية ، قال : فمن أنت ؟ قالت : أنا بنت ضمرة بن جابر ، ساد معدّا كابرا عن كابر ، وأنا أخت ضمرة بن ضمرة ، قال : فمن زوجك ؟ قالت : هوذة ابن جرول ، قال : وأين هو الآن ؟ أما تعرفين مكانه ؟ قالت : لو كنت أعلم مكانه حال بيني وبينك ، فقال عمرو : أما واللَّه لولا أنى أخاف أن تلدي مثل أبيك وأخيك وزوجك لاستبقيتك ، فقالت : واللَّه ما أدركت ثارا ، ولا محوت عارا ، مع كلام كثير كلَّمته به فأمر بإحراقها ، فلما نظرت إلى النار ، قالت : ألا فتى مكان عجوز ! فذهبت مثلا ، ثم مكثت ساعة فلم يفدها أحد ، قالت : هيهات صارت الفتيان حمما ، فذهبت مثلا ثم ألقيت في النار ولبث عمرو عامّة يومه لا يقدر على أحد ، حتّى إذا كان آخر النهار أقبل راكب يسمى عمّارا توضع به راحلته حتى أناخ اليه ، فقال له عمرو : من أنت ؟ قال : أنا رجل من البراجم ، قال : فما جاء بك إلينا ؟ قال : سطع الدّخان وكنت طويت منذ أيام وظننته طعاما ، فقال عمرو : إن الشقىّ وافد البراجم ، فذهبت مثلا وأمر به فألقى في النار ، قيل : إنه أحرق مائة من بنى تميم : تسعة وتسعين من بنى دارم ، وواحدا من البراجم .