النويري

2

نهاية الأرب في فنون الأدب

وأوردت فيه نبذة من الزهد والإنابه ، وجملة من الدعوات المستجابه . وطرّزته بذكر ملك ، مدّ رواق العدل ، ونشر لواء الفضل ؛ وقام بفروض الجهاد وسننه ، وأراع العدوّ في حالتي يقظته ووسنه ؛ وعمّ الأولياء بمواصلة برّه وموالاة نواله ، وقهر الأعداء بمراسلة سهامه ومناضلة نصاله ؛ وشمل رعاياه بعدله وجوده ، واردف سراياه بجيوشه وجنوده ، فهو الملك الذي جمع بين شدّة البأس ، ولين النّدى ، وأزال مرارة الإياس ، بحلاوة العطا . وما يحتاج إليه لإقامة المملكة : من نائب ناهيك به من نائب ! ، يكفّ بعزمه كفّ الحوادث ويفلّ بحزمه ناب النوائب ؛ وينصف الضعيف من القوىّ ، ويفرّق ببديهته بين المريب والبرىّ ؛ ويتفقد أحوال الجيوش ويصرف همته إليهم ، ويجعل اهتمامه بهم وفكرته فيهم وتعويله عليهم ؛ إلى غير ذلك من استكمال عددها ، والمطالبة بعرض خيولها وإصلاح عددها ؛ وسدّ ثغور الممالك ، وضبط الطرق وتسهيل المسالك ؛ وقمع المفسدين ، وإرغام الملحدين ؛ وبث السّرايا ، وتيسير الأرزاق والعطايا . ووزير يشيّد قواعد ملكه بحسن تدبيره وجميل سداده ، ويعمل فكره فيما يستقرّ بسببه نظام الملك على مهاده ؛ ويأمر بتحصيل الأموال من جهات حلَّها ، ويقرّ مناصب الدّولة الشريفة في الكفاة من أهلها ؛ ويتصفّح الأقاليم والمعاملات والأعمال ، ويستكفى لمباشرتها أمناء النظَّار ومحقّقى المستوفين وكفاة العمال . وقائد جيوش إن انتدبه للقاء عدوّ بدر الكتائب ، وأنهل من دمائهم السّمر العوالي وعلا هامهم بالبيض القواضب ؛ تتبعه عساكر تنفر قلوبهم عن الفرار ، ويحلَّوا من قاتلهم من أعداء اللَّه دار البوار ؛ يدّرعون السابريّة [ 1 ] الذوائل ، ويعتقلون السّمهرية الذّوابل ؛

--> [ 1 ] هي دروع دقيقة النسج في إحكام ، والذوائل جمع ذائلة وهى الطويلة « قاموس » .