النويري
8
نهاية الأرب في فنون الأدب
من قبل الماء ، وحرارته من قبل النفس ، وبرودته من قبل الروح . ثم خلق للجسد بعد هذا الخلق الأوّل أربعة أنواع أخر وهى ملاك الجسد وقوامه ، لا يقوم الجسد إلا بهنّ ، ولا تقوم واحدة منهنّ إلا بالأخرى : المرّة السوداء ، والمرّة الصفراء ، والدم الرطب الحارّ ، والبلغم البارد . ثم أسكن بعض هذا الخلق في بعض ، فجعل مسكن اليبوسة في المرّة السوداء ، ومسكن الرطوبة في الدّم ، ومسكن البرودة في البلغم ، ومسكن الحرارة في المرّة الصفراء . فأيما جسد اعتدلت فيه هذه الفطر الأربع وكانت كلّ واحدة فيه وفقا لا تزيد ولا تنقص ، كملت صحته واعتدل بناؤه . فإن زادت واحدة منهنّ عليهنّ وقهرتهنّ ومالت بهنّ ، دخل على أخواتها السّقم من ناحيتها بقدر ما زادت ؛ وإن كانت ناقصة عنهنّ ، ملن بها وعلونها وأدخلن عليها السّقم من نواحيهنّ ، لغلبتهنّ عليها حتّى تضعف عن طاقتهنّ وتعجز عن مقاومتهنّ . قال وهب : وجعل عقله في دماغه ، وشرهه في كليتيه ، وغضبه في كبده ، وصرامته في قلبه ، ورغبته في رئته ، وضحكه في طحاله ، وحزنه وفرحه في وجهه . وجعل فيه ثلاثمائة وستين مفصلا . ويقال : إنما لقّب الإنسان بالعالم الصغير ، لأنهم مثّلوا رأسه بالفلك ، ووجهه بالشمس إذ لا قوام للعالم إلا بها كما لا قوام للجسد إلا بالرّوح ، وعقله بالقمر لأنه يزيد وينقص ويذهب ويعود ؛ ومثلوا حواسّه الخمس ببقية الكواكب السيّارة ، وآراءه بالنجوم الثابتة ، ودمعه بالمطر ، وصوته بالرعد ، وضحكه بالبرق ، وظهره بالبرّ ، وبطنه بالبحر ، ولحمه بالأرض ، وعظامه بالجبال ، وشعره بالنبات ، وأعضاءه بالأقاليم ، وعروقه بالأنهار ، ومغار عروقه بالعيون .