النويري
7
نهاية الأرب في فنون الأدب
وذهب أبو عمرو الشّيبانىّ : أنه مشتق من الإيناس ، الذي هو بمعنى الإبصار ؛ وحجته قوله تعالى : « إنّى آنست نارا » أي أبصرت نارا . وذهب الكوفيون إلى أنه مشتق من النّسيان ، وحجتهم أن أصله إنسيان . فحذفت الياء تخفيفا وفتحت السين لأن الألف تطلب فتح ما قبلها . ولأن العرب حين صغرته قالت فيه أنيسيان ، فزادت الياء . والتصغير يردّ الأشياء إلى أصولها ، ولو لم تكن في المكبر لما ردّت في المصغّر . وبه أخذ أبو تمام في قوله : لا تنسين تلك العهود فإنما سمّيت إنسانا لأنك ناسى . وأنكر البصريون ذلك ، وقالوا : لا حجة فيه ، لأن العرب قد صغرت أشياء على غير قياس كما قالوا في تصغير رجل بمعنى راجل رويجل ، وفي تصغير ليلة لييلة ، وفي تصغير عشيّة عشيشة . وقال ابن عباس : إنما سمى الإنسان إنسانا لأنه عهد إليه فنسى . وهذا هو الأرجح واللَّه تعالى أعلم . فصل قال أحمد بن محمد بن عبد ربه صاحب العقد في كتابه يرفعه إلى وهب بن منبّه إنه قال : قرأت في « التوراة » أن اللَّه عز وجل حين خلق آدم ركَّب جسده من أربعة أشياء ؛ ثم جعلها وراثة في ولده ، تنمى في أجسادهم وينمون عليها إلى يوم القيامة . رطب ، ويابس ، وسخن ، وبارد . قال : وذلك أن اللَّه سبحانه وتعالى خلقه من تراب وماء ، وجعل فيه يبسا ورطوبة ، فيبوسة كل جسد من قبل التراب ، ورطوبته