النويري

85

نهاية الأرب في فنون الأدب

وانبتك وشيكا نطاقها ، وانبرت مدامعها تبكى بأجفان المشتاق ، غداة الفراق ، وتحكى بنان الكرام ، عند أريحيّة المدام ، فاستغربت الرياض ضحكا ببكائها ، واهتزّ رفات النبات طربا لتغريد مكَّائها ، واكتست ظهور الأرض من بيض إنائها ، خضر ملائها . فكأنّ صنعاء قد نشرت على بسيطها بساطا مفوّفا ، وأهدت إليها من زخارف بزّها ومطارف وشيها ألطافا وتحفا . وخيّل للعيون أن زواهر النجوم ، قد طلعت من مواقع التّخوم ، ومباسم الحسان ، قد وصلت بافترار الغيطان . فيا برد موقعها على القلوب والأكباد ! ويا خلوص ريها إلى غلل النفوس الصّواد ! كأنما استعارت أنفاس الأحباب ، أو ترشّفت شنب الثنايا العذاب ، أو تحملت ماء الوصال ، إلى نار البلبال . أو سرت على أنداء الأسحار وريحان الآصال . لقد تبين للصنع الجليل ، من خلال ديمها تنفس ونصول ، وتمكن للشكر الجميل ، من ظلال نعمها معرّس ومقيل . فالحمد للَّه على ذلك ما انسكب قطر ، وانصدع فجر ؛ وتوقّد قبس ، وتردّد نفس ؛ وهو الكفيل تعالى بإتمام النعمى ، وصلة أسباب الحياة والحيا بعزته ! وقال الوزير أبو عمرو الباجىّ في مثل ذلك : إن للَّه تعالى قضايا واقعة بالعدل ، وعطايا جامعة للفضل ؛ ونعما يبسطها إذا شاء إنعاما وترفيها ، ويقبضها متى أراد إلهاما وتنبيها ؛ ويجعلها لقوم صلاحا وخيرا ، ولآخرين فسادا وضيرا . * ( ( وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَه وهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ ) ) * . وإنه كان من امتساك السّقيا ، وتوقّف الحيا ؛ ما ريع به الآمن ، واستطير له الساكن ؛ ورجفت الأكباد فزعا ، وذهلت الألباب جزعا ؛ وأذكت ذكاء حرّها ، ومنعت السماء درّها ؛ واكتست الأرض غبرة بعد خضرة ، ولبست شحوبا بعد نضرة ؛ وكادت برود الرياض تطوى ، ومدود نعم اللَّه تزوى ؛