النويري
360
نهاية الأرب في فنون الأدب
وأهل البصرة يتخذون المظلَّات على التمر والعجوة خوفا عليها من الخفّاش . ومن عادة الذباب الفرار من الشمس إلى الظلّ ، فلا يوجد في تلك الظلال شئ منه البتة . فيتوهم المتوهّم أن هاتين الحالتين من طلَّسم ، له من الخاصية ما يمنع الغربان والذباب . وليس كذلك ، وإنما هو من حماية اللَّه ووقايته . ووصف خالد بن صفوان البصرة ، فقال : منابتها قصب ، وأنهارها عجب ، وسماؤها رطب ، وأرضها ذهب . وفي الكوفة عدم الوفاء . وأما بغداد وما اختصت به فإنه يقال : إنها جنة الأرض ، ومجتمع الوافدين : دجلة والفرات ، وواسطة الدنيا ، ومدينة السلام ، وقبة الإسلام ، لأنها غرّة البلاد ، ودار السلام والخلافة ، ومجمع الطَّرائف والطيبات ، ومعدن المحاسن واللطائف ، وبها أرباب النّهايات في كل فن ، وآحاد الدهر في كل نوع . وكان أبو إسحاق الزجّاج يقول : بغداد حاضرة الدنيا ، وما عداها بادية . وكان أبو الفضل بن العميد إذا طرأ عليه أحد وأراد امتحان عقله سأله عن بغداد . فان فطن لفضائلها وخواصّها ، جعل ذلك مقدّمة فضله وعنوان عقله . وقال ابن زريق الكوفىّ ، الكاتب : سافرت أبغى لبغداد وساكنها مثلا ، فحاولت شيئا دونه الياس . هيهات ! بغداد الدنيا بأجمعها عندي ، وسكَّان بغداد هم الناس .