النويري

347

نهاية الأرب في فنون الأدب

وقال عبد اللَّه بن عمرو : وأهل مصر أكرم الأعاجم كلَّها ، وأسمحهم يدا ، وأفضلهم عنصرا ، وأقربهم رحما بالعرب عامة وبقريش خاصّة . وقال أيضا : لما خلق اللَّه عز وجل آدم ، مثّل له الدنيا : شرقها ، وغربها ، وسهلها ، وجبلها ، وأنهارها ، وبحارها ، وبناءها ، وخرابها ، ومن يسكنها من الأمم ، ومن يملكها من الملوك . فلما رأى مصر ، رآها أرضا سهلة ذات نهر جار ، مادّته من الجنة ، تنحدر فيه البركة ، ورأى جبلا من جبالها مكسوّا نورا لا يخلو من نظر الربّ عز وجل إليه بالرحمة . في سفحه أشجار مثمرة ، فروعها في الجنة تسقى بماء الرحمة . فدعا آدم في النيل بالبركة ، ودعا في أرض مصر بالرحمة والبر والتقوى ، وبارك على نيلها وجبلها سبع مرات . وقال : « يا أيها الجبل المرحوم ، سفحك جنة وتربتك مسكة تدفن فيها عرائس الجنة ، أرض حافظة مطبقة رحيمة . لا خلتك يا مصر بركة ، ولا زال بك حفظ ، ولا زال منك ملك وعزّ ، يا أرض مصر فيك الخباء والكنوز ، ولك البر والثّروة ، سال نهرك عسلا . كثّر اللَّه زرعك ، ودرّ ضرعك ، وزكا نبأتك ، وعظمت بركتك وخصبت ، ولا زال فيك يا مصر خير ما لم تتجبّرى وتتكبّرى أو تخونى ، فإذ فعلت ذلك ، عراك شرّ ، ثم تغوّر خيرك » . فكان آدم أوّل من دعا لها بالخصب والرحمة والرأفة والبركة . وقال عبد اللَّه بن عباس رضى اللَّه عنهما : دعا نوح عليه السلام لابن ابنه بيصر ابن حام وهو أبو مصر ، فقال : اللهم إنه قد أجاب دعوتي ، فبارك فيه وفى ذرّيته وأسكنه الأرض الطيبة لمباركة التي هي أمّ البلاد . قال عبد اللَّه بن عمرو : لما قّسم نوح عليه السلام الأرض بين ولده ، جعل لحام مصر وسواحلها والمغرب وشاطئ النيل . فلما دخل بيصر بن حام وبلغ العريش ،