النويري
323
نهاية الأرب في فنون الأدب
ولمّا رأينا رسم من لم يدع لنا فؤادا لعرفان الرّسوم ولا لبّا ، نزلنا عن الأكوار نمشى ، كرامة لمن بان عنه أن نلَّم به ركبا . قال : وحكى بعض المريدين أنه لما أشرف على مدينة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، أنشأ يقول متمثلا : رفع الحجاب لنا فلاح لناظر قمر تقطَّع دونه الأوهام . وإذا المطىّ بنا بلغن محمدا ، فظهورهنّ على الرّجال حرام . قرّبنتا من خير من وطئ الثّرى ، فلها علينا حرمة وذمام . وأفتى مالك رحمه اللَّه فيمن قال « تربة المدينة رديّة » بضرب ثلاثين درّة ، وأمر بحبسه ؛ وكان له قدر . وقال : « ما أحوجه إلى ضرب عنقه ، تربة دفن فيها النبىّ صلى اللَّه عليه وسلم ، يزعم أنها غير طيّبة ! » . وفى الحديث الصحيح أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال في المدينة : « من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا ، فعليه لعنة اللَّه والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبّل اللَّه منه صرفا ولا عدلا » . ذكر شئ من خصائص المدينة المشرفة وأسمائها على صاحبها أفضل الصلاة والسلام من خصائصها ، أن العطر والبخور يوجد لهما فيها من الضّوع والرائحة الطيّبة أضعاف ما يوجد في سائر البلاد ؛ ولها في قصبتها فغمة طيّبة ورائحة عطرة ، وإن لم يكن فيها شئ من الطيب البتة . ولهذا سميت « طيبة » و « طابة » .