النويري

265

نهاية الأرب في فنون الأدب

فإذا انتهى رىّ مكان وأخذ حدّه ، قطع جسر ذلك المكان من مكان معروف ( يعرفه خولة البلاد ومشايخها ) تروى منه الجهة التي تليها مع ما تجمع فيها من الماء المختص بها . ولولا إتقان هذه الجسور وحفر الترع لقلّ الانتفاع بالنيل . وقد حكى أنه كان يرصد لعمارة الجسور في كل سنة ثلث الخراج لعنايتهم بها : لما يترتب عليها من المصالح ، ويحصل بها من النفع في رىّ البلاد . وقد وصف بعض الشعراء ، النيل في طلوعه وهبوطه ، فقال : واها لهذا النّيل ، أىّ عجيبة بكر بمثل حديثها لا يسمع ! يلقى الثرى في العام وهو مسلَّم حتى إذا ما ملّ عاد يودّع . مستقبل مثل الهلال ، فدهره أبدا يزيد كما يزيد ويرجع . وللشعراء فيه أوصاف وتشبيهات ، نذكرها بعد إن شاء اللَّه تعالى في موضعها . وهذا النهر مخالف في جريه لسائر الأنهار ، لأنه يجرى مما يلي الجنوب مستقبل الشمال . وكذلك نهر مهران بالسّند ، ونهر الأرنط ، وهو نهر حمص وحماة ، ويسمّى العاصي لمخالفته للأنهار في جريها . وما عداها من الأنهار جريها من الشمال إلى الجنوب : لارتفاع الشمال عن الجنوب وكثرة مياهه . وهو أخفّ المياه وأحلاها وأعمّها نفعا وأكثرها خراجا . وقد حكى أنه جبى في أيام كيقاوش ( أحد ملوك القبط الأوّلمائة ألف ألف وثلاثين ألف دينار ؛ وجباه عزيز مصر مائة ألف ألف دينار ؛ وجباه عمرو بن العاص اثنى عشر ألف ألف دينار ؛ ثم رذل إلى أن جبى أيام القائد جوهر ( مولى المعزّ العبيدىّ ) ثلاثة آلاف ألف ومائتي ألف دينار .