النويري

259

نهاية الأرب في فنون الأدب

والأقصار ؛ يستدلّ باختلاف المياه إذا جرى ، ويهتدى بالنجوم إذا سرى ؛ قد جعل السماء مرآة ينظر فيها ، ويحذر من دجن يوافيها ؛ فإذا أصدأها الظلام بحنادسه ، وصقلها الضياء بمداوسه ؛ يسبّح اللَّه في مصبحه وممساه ، ويبسمل في مجراه ومرساه ، ويذكر ربّا يحفظه ولا ينساه . قد اتخذ فيه مواتيه ، من أنجد النّواتيه ؛ مشمّرين الأثواب ، مدبّرين بالصواب ؛ يفهمون عنه بالإيماء ، ويتصرّفون له تصرّف الأفعال للأسماء ؛ ويترنّمون عند الجذب والدّفع ، والحطَّ والرفع : بهينمة تبعثهم على النّشاط . والجمام [ 1 ] ، وتؤدّيهم في عملهم بالتمام . فخرجنا ونفح الريح نسيم ، ووجه البحر وسيم ؛ وراحة الرّيح تصافح عبابه مصافحة الخلّ ، وتطوى جناحه طىّ السّجل ؛ وتجول من لججه أبرادا ، وتصوغ من حبكه أزرادا : كأنما ترسم في أديم رقشا ، أو تفتح في فصوص نقشا . فلما توسطنا ثبج البحر ، وصرنا منه بين السّحر والنّحر ؛ صحت الريح من سكرها ، وطارت من وكرها ؛ فسمعنا من دوىّ البحر زئيرا ، ومن حبال الثاني صفيرا ؛ ورأيناه يزبد ويضطرب ، كأنّه بكأس الجنوب قد شرب ؛ واستقبلنا منه وجه باسر ، وطارت من أمواجه عقبان كواسر ؛ يضطرب ويصطفق ، ويختلف ولا يتّفق ؛ كأن الجوّ يأخذ بنواصيها ، ويجذبها من أقاصيها ؛ والشانى تلعب به أكفّ الموج ، ويفحص منها بكلكله فوجا بعد فوج ؛ ويجوب منها ما بين أنجاد وأغوار ، وخنادق وأسوار ؛ والبحر تحتنا كأرض تميد بأهلها ، وتتزلزل بوعرها وسهلها ؛ ونحن قعود ، دود على عود ؛ قد نبت بنا من القلق أمكنتنا ، وخرست من الفرق ألسنتنا ؛ والرّشّ يكتنفنا من كل جانب ، ويسيل من أثوابنا سيل المذانب . فشممنا ريح الموت ، وظننّا التلف والفوت ؛ وبقينا في همّ ناصب ، وعذاب واصب ؛ حتّى انتهينا

--> [ 1 ] ذهاب الإعياء والتعب .