النويري
232
نهاية الأرب في فنون الأدب
ملك الإسكندر ، رغب إليه الإشبان فيما يحول بينهم وبين البربر . فرأى أن يجعل بينهما خليجا من البحر يمكن به احتراس كل طائفة من الأخرى . فحفر زقاقا طوله ثمانية عشر ميلا ، وعرضه اثنا عشر ميلا . وبنى بجانبيه سكرين [ 1 ] ، وعقد بينهما قنطرة يجاز عليها ، وجعل عليها حرّاسا يمنعون الجواز عليها من جهة البربر إلا بإذن من جعله نائبا عنه في بلاد الإشبان . وكان قاموس البحر أعلى من أرض الزقاق ، فطما وغطَّى السّكرين والقنطرة ، وساق بين يديه بلادا وطغا على أخرى . حتّى إن المسافرين فيه يخبرون أن المراكب في بعض الأوقات يتوقف سيرها فيه مع وجود الريح . فيسبرون أمرها ، فيجدون المانع لها سلوكها بين شرفات السور أو بين حائطين . فعظم طولا وعرضا ، وصار بحرا [ 2 ] . قال صاحب كتاب « مباهج الفكر ومناهج العبر » : وقد زاد عرضه ستة أميال عما كان عليه في زمن الإسكندر . فصار ثمانية عشر ميلا . قال : وزعم السالكون فيه أنّ البحر ربما جزر في بعض الأوقات ، فترى القنطرة . قالوا : وهذا الزقاق صعب شديد متلاطم الأمواج مهول ، شبيه بما جاوره من البحر المحيط . وأهل الأندلس يقولون إن بين هذا البحر وبين البحر المحيط بحرا يسمونه بحر الأيلاية بتفخيم اللام [ 3 ] . وهو بحر عظيم الموج صعب السلوك .
--> [ 1 ] السكر ( بكسر السين ) هو ما سدّ به النهر . [ 2 ] هو المسمى بحر الزقاق واسمه الآن مجاز جبل طارق . [ 3 ] لعل المؤلف يشير إلى خليج ليون فهو مشهور بشدّة التيار وبصعوبة السلوك .