النويري
173
نهاية الأرب في فنون الأدب
ومما وصف به من النثر قول بعضهم : أوقدت الظَّهيرة نارها ، وأذكت أوارها ؛ فأذابت دماغ الضب ، وألهبت قلب الصب ؛ هاجرة كأنها من قلوب العشّاق ، إذا اشتعلت بنيران الفراق ؛ حرّ تهرب له الحرباء من الشمس ، وتستجير بمتراكب الرمس ؛ لا يطيب معه عيش ، ولا ينفع معه سرج [ 1 ] ولا خيش ؛ فهو كقلب المهجور ، أو كالتنور المسجور . 3 - وأما فصل الخريف - فإن طبعه بارد يابس ؛ ودخوله عند حلول الشمس برأس الميزان والعقرب والقوس . وهذه البروج تدل على الحركة ؛ وله من السن الكهولة ؛ ومن الرياح الشّمال ؛ ومن الساعات السابعة والثامنة والتاسعة ؛ ومن القوى القوّة الهاضمة ؛ ومن الأخلاط المرّة السوداء ؛ ومن الكواكب زحل ؛ ومن المنازل بعض الصّرفة والعوّاء والسّماك والغفر والزّبانيان والقلب وبعض الشولة ؛ وعدد أيامه تسعة وثمانون يوما ؛ ويكون حلول الشمس الميزان في الخامس عشر من أيلول ، ويوافقه ستمبر من شهور الروم ، وفى الثامن عشر من توت . وفى هذا الفصل يبرد الهواء ، ويتغير الزمان ، وتصرم الثمار ، ويغيّر وجه الأرض ، ويصفرّ ورق الشجر ، وتهزل البهائم ، وتموت الهوامّ ، وتنجحر الحشرات ، وتطلب الطير المواضع الدّفئة ، وتصير الدّنيا كأنها كهلة مدبرة . ويقال : فصل الخريف ربيع النفس كما أن فصل الربيع ربيع العين . واللَّه أعلم .
--> [ 1 ] هكذا بالأصل وفى صبح الأعشى ثلج .