النويري
106
نهاية الأرب في فنون الأدب
وبنى في جميع هذه الأماكن بيوت للنّيران ، نذكرها بعد إن شاء اللَّه تعالى . ثم انقطعت عبادة النيران من أكثر هذه الأماكن إلا الهند . فإنهم يعبدونها إلى يومنا هذا . وهم طائفة تدعى الإكنواطرية . [ 1 ] زعموا أن النار أعظم العناصر جرما ، وأوسعها حيزا ، وأعلاها مكانا ، وأشرفها جوهرا ، وأنورها ضياء وإشراقا ، وألطفها جسما وكيانا ؛ وأن الاحتياج إليها أكثر من الاحتياج إلى سائر الطبائع ؛ ولا نور في العالم إلا بها ؛ ولا نموّ ولا انعقاد إلا بممازجتها . وعبادتهم لها أن يحفروا أخدودا مربعا في الأرض ويحشوا النار فيه ، ثم لا يدعون طعاما لذيذا ، ولا شرابا لطيفا ، ولا ثوبا فاخرا ، ولا عطرا فائحا ، ولا جوهرا نفيسا ، إلا طرحوه فيها : تقرّبا إليها ، وتبرّكا بها . وحرّموا إلقاء النفوس فيها ، وإحراق الأبدان بها ، خلافا لجماعة أخرى من زهّاد الهند . وعلى هذا المذهب أكثر ملوك الهند وعظمائها . يعظمون النار لجوهرها تعظيما بالغا ، ويقدّمونها على الموجودات كلها . ومنهم زهّاد وعبّاد يجلسون حول النار صاغين ، يسدّون منافسهم حتّى لا يصل إليها من أنفاسهم نفس صدر عن صدر مجرم . وسنّتهم الحثّ على الأخلاق الحسنة ، والمنع من أضدادها ، وهى : الكذب ، والحسد ، والحقد ، والكفاح ، والحرص ، والبغي ، والبطر . فإذا تجرّد الإنسان عنها ، تقرّب من النار .
--> [ 1 ] أفادنا المترجم الألماني لكتاب الملل والنحل أن هذه الكلمة مأخوذة من « أجنيهترا » وهى لنار المقدّسة ( أي التي تتأجج إكراما للإله أجنى . )