مجد الدين ابن الأثير
394
النهاية في غريب الحديث والأثر
* وفى حديث عمران بن حصين ( كان يسلم على حتى اكتويت ) يعنى أن الملائكة كانت تسلم عليه ، فلما اكتوى بسبب مرضه تركوا السلام عليه ، لان الكي يقدح في التوكل والتسليم إلى الله والصبر على ما يبتلى به العبد وطلب الشفاء من عنده ، وليس ذلك قادحا في جواز الكي ولكنه قادح في التوكل ، وهي درجة عالية وراء مباشرة الأسباب . ( س ) وفى حديث الحديبية ( أنه أخذ ثمانين من أهل مكة سلما ) يروى بكسر السين وفتحها ، وهما لغتان في الصلح ، وهو المراد في الحديث على ما فسره الحميدي في غريبه . وقال الخطابي : أنه السلم بفتح السين واللام ، يريد الاستسلام والاذعان ، كقوله تعالى ( وألقوا إليكم السلم ) أي الانقياد ، وهو مصدر يقع على الواحد والاثنين والجميع . وهذا هو الأشبه بالقضية ، فإنهم لم يؤخذوا عن صلح . وإنما أخذوا قهرا وأسلموا أنفسهم عجزا ، وللأول وجه ، وذلك أنهم لم تجر معهم حرب ، وإنما لما عجزوا عن دفعهم أو النجاة منهم رضوا أن يؤخذوا أسرى ولا يقتلوا ، فكأنهم قد صولحوا على ذلك فسمى الانقياد صلحا وهو السلم . * ومنه كتابه بين قريش والأنصار ( وإن سلم المؤمنين واحد لا يسالم مؤمن دون مؤمن ) أي لا يصالح واحد دون أصحابه ، وإنما يقع الصلح بينهم وبين عدوهم باجتماع ملئهم على ذلك . ( ه ) ومن الأول حديث أبي قتادة ( لآتينك برجل سلم ) أي أسير لأنه استسلم وانقاد . * وفيه ( أسلم سالمها الله ) هو من المسالمة وترك الحرب . ويحتمل أن يكون دعاء وإخبارا : إما دعاء لها أن يسالمها الله ولا يأمر بحربها أو أخبر أن الله قد سالمها ومنع من حربها . * وفيه ( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ) يقال : أسلم فلان فلانا إذا ألقاه إلى الهلكة ولم يحمه من عدوه ، وهو عام في كل من أسلمته إلى شئ ، لكن دخله التخصيص ، وغلب عليه الالقاء في الهلكة . * ومنه الحديث ( إني وهبت لخالتي غلاما ، فقلت لها لا تسلميه حجاما ولا صائغا ولا قصابا ) أي لا تعطيه لمن يعلمه إحدى هذه الصنائع ، إنما كره الحجام والقصاب لأجل النجاسة التي يباشرانها مع تعذر الاحتراز ، وأما الصائغ فلما يدخل صنعته من الغش ، ولأنه يصوغ الذهب