مجد الدين ابن الأثير
9
النهاية في غريب الحديث والأثر
ثم إنه جمع فيه من غريب الحديث ما في كتاب أبي عبيد وابن قتيبة وغيرهما ممن تقدمه عصره من مصنفي الغريب ، مع ما أضاف إليه مما تتبعه من كلمات لم تكن في واحد من الكتب المصنفة قبله ، فجاء كتابه جامعا في الحسن بين الإحاطة والوضع . فإذا أراد الانسان كلمة غريبة وجدها في حرفها بغير تعب ، إلا أنه جاء الحديث مفرقا في حروف كلماته حيث كان هو المقصود والغرض ، فانتشر كتابه بهذا التسهيل والتيسير في البلاد والأمصار ، وصار هو العمدة في غريب الحديث والآثار . وما زال الناس بعده يقتفون هديه ، ويتبعون أثره ، ويشكرون له سعيه ، ويستدركون ما فاته من غريب الحديث والآثار ، ويجمعون فيه مجاميع . والأيام تنقضي ، والأعمار تفنى ولا تنقضي إلا عن تصنيف في هذا الفن إلى عهد الإمام أبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي رحمه الله ، فصنف كتابه المشهور في غريب الحديث وسماه ( الفائق ) ( 1 ) ولقد صادف هذا الاسم مسمى ، وكشف من غريب الحديث كل معمى ، ورتبه على وضع اختاره مقفى على حروف المعجم ، ولكن في العثور على طلب الحديث منه كلفة ومشقة ، وإن كانت دون غيره من متقدم الكتب لأنه جمع في التقفية بين إيراد الحديث مسرودا جميعه أو أكثره أو أقله ، ثم شرح ما فيه من غريب فيجئ شرح كل كلمة غريبة يشتمل عليها ذلك الحديث في حرف واحد من حروف المعجم ، فترد الكلمة في غير حرفها ، وإذا تطلبها الانسان تعب حتى يجدها ، فكان كتاب الهروي أقرب متناولا وأسهل مأخذا ، وإن كانت كلماته متفرقة في حروفها ، وكان النفع به أتم والفائدة منه أعم . فلما كان زمن الحافظ أبي موسى محمد بن أبي بكر بن أبي عيسى المديني الأصفهاني ، وكان إماما في عصره حافظا متقنا تشد إليه الرحال ، وتناط به من الطلبة الآمال ، قد صنف كتابا جمع فيه ما فات الهروي من غريب القرآن والحديث يناسبه قدرا وفائدة ، ويماثله حجما وعائدة ، وسلك في وضعه مسلكه ، وذهب فيه مذهبه ، ورتبه كما رتبه ، ثم قال : ( واعلم أنه سيبقى بعد كتابي أشياء لم تقع لي ولا وقفت عليها ، لأن كلام العرب لا ينحصر ) . ولقد صدق رحمه الله فإن الذي فاته من الغريب كثير ، ومات سنة إحدى وثمانين وخمسمائة . وكان في زماننا أيضا معاصر أبي موسى الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن علي ابن الجوزي
--> ( 1 ) طبع بمطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه بالقاهرة 1366 ه - 1947 م