مجد الدين ابن الأثير

10

النهاية في غريب الحديث والأثر

البغدادي رحمه الله ، كان متفننا في علومه متنوعا في معارفه ، فاضلا ، لكنه كان يغلب عليه الوعظ . وقد صنف كتابا في غريب الحديث خاصة نهج فيه طريق الهروي في كتابه ، وسلك فيه محجته مجردا من غريب القرآن . وهذا لفظه في مقدمته بعد أن ذكر مصنفي الغريب : قال : ( فقويت الظنون أنه لم يبق شئ ، وإذا قد فاتهم أشياء فرأيت أن أبذل الوسع في جمع غريب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتابعيهم ، وأرجو ألا يشذ عني مهم من ذلك ، وأن يغني كتابي عن جميع ما صنف في ذلك ) . هذا قوله . ولقد تتبعت كتابه فرأيته مختصرا من كتاب الهروي ، منتزعا من أبوابه شيئا فشيئا ووضعا فوضعا ، ولم يزد عليه إلا الكلمة الشاذة واللفظة الفاذة . ولقد قايست ما زاد في كتابه على ما أخذه من كتاب الهروي فلم يكن إلا جزءا يسيرا من أجزاء كثيرة . وأما أبو موسى الأصفهاني رحمه الله فإنه لم يذكر قي كتابه مما ذكره الهروي إلا كلمة اضطر إلى ذكرها إما لخلل فيها ، أو زيادة في شرحها ، أو وجه آخر في معناه ، ومع ذلك فإن كتابه يضاهي كتاب الهروي كما سبق ، لأن وضع كتابه استدراك ما فات الهروي . ولما وقفت على كتابه الذي جعله مكملا لكتاب الهروي ومتمما وهو في غاية من الحسن والكمال ، وكان الانسان إذا أراد كلمة غريبة يحتاج إلى أن يتطلبها في أحد الكتابين فإن وجدها فيه وإلا طلبها من الكتاب الآخر ، وهما كتابان كبيران ذوا مجلدات عدة ، ولا خفاء بما في ذلك من الكلفة ، فرأيت أن أجمع ما فيهما من غريب الحديث مجردا من غريب القرآن ، وأضيف كل كلمة إلى أختها في بابها تسهيلا لكلفة الطلب ، وتمادت بي الأيام في ذلك أقدم رجلا وأؤخر أخرى ، إلى أن قويت العزيمة وخلصت النية ، وتحققت في إظهار ما في القوة إلى الفعل ، ويسر الله الأمر وسهله ، وسناه ووفق إليه ، فحينئذ أمعنت النظر وأنعمت الفكر في اعتبار الكتابين والجمع بين ألفاظهما ، وإضافة كل منهما إلى نظيره في بابه ، فوجدتهما - على كثرة ما أدع فيهما من غريب الحديث والأثر - قد فاتهما الكثير الوافر ، فإني في بادئ الأمر وأول النظر مر بذكري كلمات غريبة من غرائب أحاديث الكتب الصحاح كالبخاري ومسلم - وكفاك بهما شهرة في كتب الحديث - لم يرد شئ منهما في هذين الكتابين ، فحيث عرفت ذلك تنبهت لاعتبار غير هذين الكتابين من كتب الحديث المدونة المصنفة في أول الزمان وأوسطه وآخره . فتتبعتها واستقريت ما حضرني منها ،